ابن كثير و”البداية والنهاية”!!.. د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني
ابن كثير و”البداية والنهاية”!!..
حين كتب مؤرخٌ قصة الإنسان من الخلق إلى قيام الساعة!
د. تمام كيلاني
قليلون هم المؤرخون الذين يكتبون التاريخ، وأقل منهم أولئك الذين يحاولون كتابة الزمن نفسه.
ومن بين هؤلاء يقف الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، المعروف بابن كثير، شامخاً في ذاكرة الحضارة الإسلامية، لا بوصفه مفسراً عظيماً للقرآن الكريم فحسب، بل باعتباره واحداً من أكبر العقول التاريخية التي عرفها العالم الإسلامي.
ولد ابن كثير في القرن الثامن الهجري، وعاش في دمشق التي كانت آنذاك إحدى أهم مراكز العلم والفكر. وتتلمذ على أيدي كبار العلماء، وفي مقدمتهم شيخه الشهير ابن تيمية، حتى أصبح من أبرز علماء عصره في الحديث والتفسير والتاريخ.
غير أن عبقريته التاريخية تجلت بأوضح صورها في كتابه الخالد “البداية والنهاية”.
ولم يكن هذا الكتاب مجرد سجل للأحداث أو موسوعة تجمع الأخبار، بل كان مشروعاً فكرياً وحضارياً ضخماً أراد صاحبه من خلاله أن يروي قصة الإنسان كاملة؛ منذ خلق السماوات والأرض وحتى أحداث آخر الزمان.
حين يفتح القارئ صفحات “البداية والنهاية” يشعر أنه لا يقرأ كتاباً عادياً، بل يدخل إلى نهر الزمن نفسه. يبدأ ابن كثير من الخلق وقصص الأنبياء والأمم السابقة، ثم ينتقل إلى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إلى تاريخ الدولة الإسلامية جيلاً بعد جيل، حتى يصل إلى عصره، قبل أن يختم موسوعته بالحديث عن الفتن وأشراط الساعة والبعث والنشور.
لقد أراد ابن كثير أن يربط بين البداية والنهاية، بين أصل الإنسان ومصيره، وبين حركة التاريخ وسنن الله في الأمم.
ولم يكن هدفه مجرد جمع الروايات كما فعل كثيرون من قبله، بل سعى إلى فهم التاريخ وتحليله، مؤمناً بأن الأحداث لا تجري عبثاً، وأن وراء صعود الدول وسقوطها قوانين وسنناً تتكرر عبر العصور.
ومن هنا تبرز إحدى أهم ميزات ابن كثير؛ فقد جمع بين عقل المحدث وعقل المؤرخ. لم يكن يقبل الروايات دون تمحيص، بل ناقش الأسانيد ونقد الأخبار وحاول التمييز بين الصحيح والضعيف ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ولهذا اكتسب كتابه مكانة كبيرة بين العلماء والباحثين على امتداد القرون.
كما اعتمد منهجاً دقيقاً في تسجيل الوقائع سنة بعد سنة، فيذكر الأحداث السياسية والعسكرية والعلمية، ثم يختم كل سنة بذكر وفيات العلماء والأعيان والشخصيات المؤثرة. وهكذا تحولت موسوعته إلى سجل ضخم لحياة أمة كاملة عبر قرون طويلة.
لكن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في حجمه الكبير أو في كثرة المعلومات التي يحتويها، بل في الفكرة العميقة التي يحملها.
لقد أراد ابن كثير أن يقول إن التاريخ ليس مجرد تواريخ ومعارك وأسماء ملوك، بل مدرسة كبرى للإنسان. فالأمم التي لا تتعلم من تاريخها كثيراً ما تعود لتكرر أخطاءه.
ولهذا فإن صفحات “البداية والنهاية” مليئة بالعبر بقدر ما هي مليئة بالأحداث. ففيها يرى القارئ مصائر الملوك الذين ملأوا الأرض سلطاناً ثم أصبحوا أخباراً تُروى، ويرى العلماء الذين رحلوا منذ قرون وما زالت آثارهم حية بين الناس.
ومن هنا تتجلى عبقرية عنوان الكتاب.
“البداية والنهاية”.
كلمتان تختصران قصة الإنسان كلها.
كل ولادة تتجه نحو نهاية.
وكل حضارة تسير نحو مصيرها.
وكل قوة مهما عظمت ليست سوى مرحلة عابرة في مسيرة الزمن.
لقد أدرك ابن كثير أن التاريخ لا يمنح الخلود لأحد، وأن الزمن لا يحابي الملوك ولا الحكام ولا أصحاب الجيوش. فما يبقى في النهاية ليس حجم السلطة التي امتلكها الإنسان، بل الأثر الذي تركه في حياة الناس.
وأنت تقلب صفحات الكتاب تكتشف أن التاريخ لا يحترم الأقوياء لأنهم أقوياء، بل يحترم العادلين لأنهم عادلون. ولا يخلد الحكام لأنهم حكموا، بل يخلد ما صنعوه من خير أو شر في حياة شعوبهم.
ولهذا كتب ابن كثير عن خلفاء وسلاطين وقادة ظن بعضهم أن سلطانهم أبدي، ثم انتهى بهم الأمر إلى بضعة أسطر في كتاب. فالزمن لا يعترف بالأبدية، والتاريخ لا يمنح أحداً حصانة من حكمه.
وبعد أكثر من ستة قرون على وفاة ابن كثير ما زالت هذه الحقيقة تتكرر أمام أعيننا.
وفي هذه الأيام تمر ذكرى وفاة حافظ الأسد، الذي حكم سوريا نحو ثلاثين عاماً حتى وفاته عام 2000. وخلال فترة حكمه ارتبط اسم الدولة السورية بنظام أمني شديد المركزية، وشهدت البلاد حملات اعتقال واسعة وقمعاً سياسياً وأحداثاً دامية تركت آثاراً عميقة في المجتمع السوري، كما وثقت منظمات حقوقية ومؤرخون كثيرون انتهاكات واسعة وملفات طويلة من الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري.
كان الرجل يمتلك الجيش والأجهزة الأمنية والحزب والدولة، وكان كثيرون يعتقدون أن النظام الذي بناه سيبقى إلى الأبد.
لكن دروس التاريخ التي سجلها ابن كثير عبر آلاف الصفحات تقول شيئاً مختلفاً.
فكم من حاكم قبله ظن أن سلطانه خالد، ثم أصبح مجرد اسم في كتاب. وكم من جبار ملأ الدنيا رهبة، ثم انتهى أمره وبقيت أفعالُه وحدها شاهدة عليه.
إن السؤال الذي يطرحه التاريخ ليس: كم سنة حكم الحاكم؟
بل: ماذا ترك خلفه؟
كم إنساناً أنصف؟
وكم إنساناً ظُلم في عهده؟
كم باباً للحرية فُتح؟
وكم باباً أُغلق؟
وكم من الجراح بقيت مفتوحة بعد رحيله؟
إن التماثيل والشعارات والخطب والاحتفالات كلها تذوب مع الزمن، أما ما يبقى فهو أثر الإنسان في الناس.
ولهذا تبدو رسالة ابن كثير، بعد مرور القرون، أكثر حضوراً من أي وقت مضى:
افعل ما شئت في بداية أمرك، لكن تذكر دائماً أن التاريخ هو من سيكتب النهاية.
رحم الله ابن كثير، فقد ترك للأمة أكثر من كتاب تاريخ؛ ترك مرآةً ترى فيها الأجيال مصائر الأمم والحكام، وتدرك من خلالها أن القوة تزول، وأن الظلم لا يدوم، وأن ما يبقى في نهاية المطاف هو العمل الذي يواجه صاحبه أمام محكمة التاريخ .
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
مؤتمر اتحاد الأطباء والصيادلة السوريين السنوي يلتئم في باريس!!
الكل حكيم.. ما دامت القصة ليست قصته!! د. تمام كيلاني
بين واجب المشورة وحدود التدخل!! د. تمام كيلاني
سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...