بين الطب الحديث وحكمة الوقاية…!! د.تمام كيلاني
بين الطب الحديث وحكمة الوقاية…!!
د.تمام كيلاني*
قراءة في كتاب «المفاهيم الخاطئة التي كنتُ أُدرِّسها في كلية الطب» للدكتور روبرت لوفكن
من علاج المرض إلى صناعة الصحة..
مقدمة:
يتميز الطب بأنه علم متجدد، تتغير مفاهيمه مع تراكم الأدلة العلمية. ولذلك فإن مراجعة بعض الأفكار التي كانت تُعد مسلّمات في الماضي لا تُعد انتقاصًا من الطب، بل تعكس حيويته وقدرته على تصحيح مساره.
ومن هذا المنطلق يأتي كتاب الطبيب والأستاذ الجامعي الأمريكي الدكتور روبرت لوفكن، بعنوان Lies I Taught in Medical School، والذي يمكن ترجمة عنوانه إلى «المفاهيم الخاطئة التي كنتُ أُدرِّسها في كلية الطب». وقد اختار المؤلف عنوانًا لافتًا، لكنه يوضح منذ البداية أن المقصود ليس أن الطب كذب على الناس، وإنما أن بعض المفاهيم التي كانت تُدرَّس لسنوات تحتاج اليوم إلى مراجعة في ضوء ما استجد من أبحاث علمية.
ماذا يطرح الدكتور روبرت لوفكن؟
يستند الدكتور لوفكن إلى خبرة طويلة
في الممارسة الطبية والبحث والتعليم الأكاديمي في كليات الطب الأمريكية، ليطرح سؤالًا أصبح من أهم أسئلة الطب الحديث:
لماذا تستمر الأمراض المزمنة في الازدياد رغم التقدم الكبير في وسائل التشخيص والعلاج؟
ويرى أن أمراضًا مثل السكري من النوع الثاني، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، والكبد الدهني، وأمراض القلب، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أمراضًا منفصلة تمامًا، بل إنها تشترك في جذور استقلابية واحدة ترتبط بنمط الحياة الحديث.
ويؤكد أن التغير الكبير في أسلوب الحياة خلال العقود الأخيرة، من قلة النشاط البدني، والإفراط في الأغذية المصنعة، وزيادة استهلاك السكريات والكربوهيدرات المكررة، واضطراب النوم، أسهم في انتشار هذه الأمراض بصورة غير مسبوقة.
ومن أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب أن السمنة ليست مجرد نتيجة لاختلال ميزان السعرات الحرارية، بل إن للعوامل الهرمونية، وعلى رأسها هرمون الإنسولين، دورًا مهمًا في تنظيم تخزين الطاقة داخل الجسم، وهو ما يجعل نوعية الغذاء لا تقل أهمية عن كميته.
كما يركز المؤلف على مفهوم الصحة الاستقلابية (Metabolic Health)، ويرى أن تحسينها ينبغي أن يكون هدفًا أساسيًا في الطب الوقائي، إلى جانب استخدام العلاجات الدوائية الحديثة عند الحاجة.
ولا يدعو الدكتور لوفكن إلى الاستغناء عن الأدوية أو تجاهل إنجازات الطب الحديث، وإنما يدعو إلى إعطاء الوقاية وتعديل نمط الحياة المكانة التي تستحقها في الممارسة الطبية.
الوقاية… مبدأ يجمع بين العلم والهدي
إن ما يدعو إليه الكتاب يجد صداه في المبادئ التي أرساها الإسلام منذ قرون، حيث يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتدال في الحياة.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
وقال الرسول الأعظم
«تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء.»
كما قال صلى الله عليه وسلم :
«ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه… فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه.»
وهذه التوجيهات تتوافق مع ما تؤكد عليه الأبحاث الحديثة من أن الاعتدال في الغذاء، وممارسة النشاط البدني، والنوم الجيد، تمثل ركائز أساسية للوقاية من الأمراض المزمنة.
رؤية من واقع الممارسة السريرية
وأثناء قراءتي لهذا الكتاب، استحضرت ما رأيته خلال أكثر من أربعين عامًا في طب وجراحة العيون، وخاصة في علاج أمراض الشبكية.
فقد كان مرض السكري من أكثر الأمراض التي تركت أثرًا واضحًا في صحة العين، ورأيت كيف يمكن لارتفاع السكر المزمن أن يؤدي إلى اعتلال الشبكية السكري والوذمة السكرية في اللطخة الصفراء، وهما من أهم أسباب ضعف البصر لدى مرضى السكري.
ولا شك أن طب العيون حقق تقدمًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت الحقن الدوائية داخل الجسم الزجاجي وغيرها من الوسائل الحديثة قادرة على المحافظة على البصر وتحسينه لدى كثير من المرضى.
لكن خبرتي السريرية أكدت لي حقيقة مهمة، وهي أن علاج العين وحده لا يكفي إذا بقي السبب الأساسي دون معالجة. فكلما كان ضبط مستوى السكر أفضل، وتحسن نمط الحياة، والتزم المريض بالمتابعة والعلاج، كانت نتائج علاج العين أكثر نجاحًا واستقرارًا.
ومن هنا وجدت أن ما يطرحه الدكتور لوفكن حول أهمية الصحة الاستقلابية والوقاية يتوافق مع ما نشاهده يوميًا في الممارسة السريرية، وإن كان ذلك من زاوية تخصص مختلفة.
رسالة إلى مجتمعاتنا
تشهد المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، وعدد من الدول العربية، ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بالسكري، الأمر الذي يجعل الوقاية مسؤولية مجتمعية، وليست مسؤولية الطبيب وحده.
إن تعزيز الثقافة الصحية، وتشجيع النشاط البدني، والحد من الإفراط في الأغذية المصنعة والسكريات، والكشف المبكر عن السكري، والمتابعة المنتظمة للمرضى، كلها خطوات قادرة على الحد من كثير من المضاعفات، وفي مقدمتها مضاعفات العين والكلى والقلب.
فالاستثمار في الوقاية يبقى أقل كلفة وأكثر أثرًا من علاج المضاعفات بعد حدوثها.
الخلاصة
لا يقدم كتاب الدكتور روبرت لوفكن بديلًا عن الطب الحديث، ولا يقلل من قيمة الأدوية أو التقنيات الطبية، وإنما يدعو إلى إعادة التوازن بين علاج المرض والوقاية منه.
أما من واقع خبرتي كطبيب عيون، فإنني أرى أن هذه الرسالة تستحق الاهتمام؛ لأن كثيرًا من المضاعفات التي نعالجها اليوم كان يمكن الحد منها لو بدأ الاهتمام بالصحة الاستقلابية ونمط الحياة في وقت مبكر.
ويبقى الطب في أسمى رسالته ليس فقط علاج المرض، بل المحافظة على صحة الإنسان قبل أن يحتاج إلى العلاج.
*استشاري دولي في طب وجراحة العيون.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الأستاذ المهندس طرفة بغجاتي… رجلٌ جعل من الحوار رسالة، ومن خدمة الإنسان منهجًا..!! د. تمام كيلاني
عمر الراوي… سيرة رجلٍ جعل من المشاركة عهدًا ومن الحوار رسالة..!! د. تمام كيلاني
د. فريد حافظ.. رحلة باحث من النمسا إلى أمريكا في خدمة المعرفة والحوار الحضاري..!! د. تمام كيلاني
حين عوقب النجاح… وخسرت سوريا نفسها..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...