حرام!!

حرام!!

حرام!!

 

ديانا مريم*

 

بعد أن سمعت والدتي تقول إنها مريضة، ولن تقوى على إيقاظنا صباحاً، كانت رسالة مبطنة منها بأن اعتمدن على أنفسكن.

 

صرتُ المسؤولة عن تحضير مائدة الإفطار لأخواتي، رغم البرد والعتمة والاستيقاظ المبكر، على مدى أيام دراستي في المرحلة الإعدادية، بشكل يومي، خوفاً من التأخر عن المدرسة، ناهيك عن صوت الموجهة العالي، مسؤولة الدوام، الذي لا يكاد يغادر سمعي.

 

كان منبهي هو صوت ساعة الحائط المعلقة على الجدار الفاصل بين غرفتنا وغرفة الأهل، في بيتنا العربي الواسع بفسحته، حيث تدق الساعة على تمام الوقت ونصفه.

 

بيتنا الذي يحتوي عدداً كبيراً من الأشجار المثمرة، لا تهدأ أغصانها وأوراقها عن عزف موسيقاها الشجية، التي في بعض الأحيان تبعث على الخوف والقلق. الأصوات، والخيالات التي ترسمها على الأرض والجدران المحيطة بالبيت، أمام خيال صبية بعمر الورد، المُحبة والمتسامحة، وفي بعض الأحيان غير القادرة عن الدفاع عن أبسط حقوقها لسبب في بنيتها، وأسباب لا تعي أبداً كيف يجب عليها أن تتجاوزها أصلاً، في بيت كثيره بنات.

 

يتهيأ لها وجود أشخاص يختبئون خلف الظلال ليلاً ونهاراً.

 

"حرام" أن يغادرن البيت صباحاً دون وجبة الفطور، حيث الدوام الطويل في بعض الأحيان.

 

أمام قلبي الموجوع دائماً، كنَّ يتمادين في انتظاري لأداء المهمة بنجاح، دون أن يكلفن أنفسهن المساعدة ولو بأقل الأشياء.

 

كلما قلتُ كلمة "حرام"، يزيد اتكاؤهن على قلبي الصغير.

 

لا أنسى يوم دقت الساعة دقة واحدة، فخانني تقدير الوقت، بعد استيقاظي المتكرر الذي هو الخامسة والنصف صباحاً، وكانت قد تنبهت أعصابي لنفس الساعة كل يوم.

 

بعد أن أعددتُ الإفطار مرتبكة خائفة، جلستُ أمام المدفأة الخجولة أسرح جديلة شعري الطويل، سمعتُ صوت الساعة تعلن أن الوقت هو الثانية ليلاً. يا لهول المفاجأة! كيف سأخرج بهذا الوقت من الغرفة؟

 

لربما تسلل حرامي من بين الأشجار، أو حتى خيال قطة، ما زاد ضربات قلبي. يا لحزني! كيف انقطع نومي والكل نيام؟ متى سأنتهي من تأنيب الضمير، ولا أحد يفكر بي؟

 

أيقظتُ أختي التي تقربني عمراً (فقط)، أخبرتها بالوقت، فنهرتني بعصبيتها ومزاجيتها المعهودة وقالت: "لِمَ توقظينني إذن؟"

 

قلتُ: أخاف أن أخرج من الغرفة بهذا الوقت.

 

قامت على مضض وهي تتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة: "حسناً، ها أنا قمت."

 

مجرد أن سمعت هذه الكلمة، دبّت الروح في أعماقي. أطفأتُ أنوار المطبخ بسرعة بعد أن أحضرت إبريق الشاي. هي عادت إلى فراشها الدافئ، أما أنا فتكورت حول المدفأة آخذة عهداً على نفسي: لن أبقى تحت رحمتكن، ستكون آخر مرة أقوم فيها بتحضير فطوركن.

 

سألغي كلمة "حرام" من قاموسي، سأكتفي بسندويشة تدفئ حقيبتي.

 

كان قراراً حاسماً بالنسبة لي، أطفأ كل أشكال تأنيب الضمير.

 

أمي التي أخبرتها بعد عودتي من المدرسة، لم تطفئ اشتعال قلبي، إذ كررت كلمة "حرام، حرام" أكثر من مرة، فعرفت أنني أم صغيرة بالفطرة.

 

* قاصة وشاعرة سورية.


كلمات البحث

تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...