حين يتوقف الطبيب عن التعلّم… يبدأ المرض في التقدّم..!! د. تمام كيلاني

حين يتوقف الطبيب عن التعلّم… يبدأ المرض في التقدّم..!! د. تمام كيلاني

حين يتوقف الطبيب عن التعلّم… يبدأ المرض في التقدّم..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

رحلة الطب من مشرط الأمس إلى ذكاء الغد

 

في كل مرة أحضر فيها مؤتمرًا طبيًا، أخرج بقناعة تزداد رسوخًا: إن أخطر يوم في حياة الطبيب ليس يوم يفشل فيه في تشخيص مرض، بل اليوم الذي يظن فيه أنه لم يعد بحاجة إلى أن يتعلم.

 

فالطب ليس مهنة تُتقن، بل رسالة تُعاش.

 

وشهادة الطب ليست خط النهاية، وإنما هي أول خطوة على طريق طويل، قد يمتد أربعين أو خمسين عامًا، يظل الطبيب فيه طالبًا للعلم حتى آخر يوم من حياته.

 

إن ما يتعلمه الطبيب على مقاعد الجامعة هو الحروف الأولى من لغة الطب، أما التخصص فهو الجسر الذي يعبر به إلى عالم الممارسة، وأما التعليم الطبي المستمر فهو الوقود الذي يمنع هذا الجسر من الانهيار مع مرور الزمن.

 

لهذا لم يكن غريبًا أن تعتمد الدول المتقدمة نظام التعليم الطبي المستمر (Continuing Medical Education – CME)، الذي يقوم على مبدأ بسيط وعميق: أن الطبيب لا يملك رفاهية التوقف عن التعلم. فالمعارف الطبية والمهارات السريرية والتقنيات العلاجية تتغير باستمرار، ولذلك أصبح التعليم الطبي المستمر جزءًا أساسيًا من تطوير الطبيب، وفي كثير من الأنظمة الصحية شرطًا للمحافظة على الترخيص المهني.  

 

فالعلوم الطبية لا تعرف السكون.

 

كل صباح تستيقظ الإنسانية على اكتشاف جديد، أو دواء جديد، أو تقنية جديدة، أو فكرة تهدم ما كان بالأمس من المسلّمات.

 

ولو عاد طبيب من خمسين عامًا إلى غرفة عمليات اليوم، لظن أنه دخل عالمًا آخر.

 

 

وليس الطبيب وحده من تغيّر…

 

بل المريض أيضًا.

 

كان المريض في الماضي يدخل العيادة وهو يبحث عن جواب.

 

أما اليوم، فإنه يدخل حاملاً عشرات الأجوبة التي جمعها من الإنترنت.

 

لقد أصبح لكل طبيب زميل جديد اسمه “دكتور غوغل”.

 

لكن الفرق كبير بين المعلومة والمعرفة.

 

فالإنترنت يستطيع أن يقدم آلاف الصفحات خلال ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يفحص مريضًا، ولا أن يقرأ ملامح وجهه، ولا أن يربط بين أعراضه وتاريخه المرضي، ولا أن يتحمل مسؤولية القرار.

 

ولهذا سيبقى الطبيب الحقيقي هو من يحول المعلومات المتناثرة إلى تشخيص صحيح، ويحول التشخيص إلى علاج، ويحول العلاج إلى أمل.

 

 

ولعل أجمل قصة في تاريخ طب العيون بدأت… بشظية صغيرة.

 

في عام 1949، كان طبيب العيون البريطاني السير هارولد ريدلي يعالج أحد طياري سلاح الجو البريطاني الذي أصيب خلال الحرب العالمية الثانية.

 

لاحظ ريدلي أن شظايا مادة الأكريليك الشفافة الداخلة إلى العين لم تُحدث التفاعل العنيف الذي كانت تُحدثه المعادن كالحديد أو النحاس.

 

كان بإمكان أي طبيب أن يزيل الشظية وينتهي الأمر.

 

أما العالم الحقيقي، فإنه يرى في الملاحظة البسيطة بداية اكتشاف.

 

ومن تلك اللحظة ولدت فكرة زراعة العدسات داخل العين.

 

كانت الفكرة يومها جريئة إلى حد أن كثيرًا من كبار جراحي العيون رفضوها.

 

ويُروى أن البروفيسور الإسباني الشهير خوسيه إغناسيو باراكير كان يقول إنه يستأصل العدسات المزروعة بسبب مضاعفاتها الكثيرة.

 

أما اليوم، فقد أصبحت زراعة العدسة داخل العين واحدة من أنجح العمليات الجراحية في تاريخ الطب، وأعاد هذا الابتكار البصر لملايين البشر.

 

هكذا يتقدم العلم…

 

فكرة صغيرة…

 

ثم تجربة…

 

ثم اعتراض…

 

ثم تطوير…

 

ثم حقيقة لا يناقشها أحد.

 

وأنا شخصيًا كنت شاهدًا على جزء من هذه الرحلة.

 

عندما بدأت إجراء عمليات الساد في مشفى جامعة حلب، كنا نجري العملية من دون مجهر جراحي.

 

كان شق القرنية يمتد من الساعة العاشرة حتى الثانية.

 

وكانت العين تُغلق بالخيوط.

 

ويبقى المريض في سريره أسبوعًا كاملًا، ينتظر التئام الجرح.

 

أما اليوم…

 

فقد أصبحت العملية تُجرى بقطرات التخدير فقط.

 

ويدخل الجراح إلى العين من فتحة لا تتجاوز 2.3 مليمتر.

 

وتُزرع العدسة داخل العين في دقائق معدودة.

 

ويغادر المريض المستشفى بعد ساعتين، وقد عاد إليه بصره، وعادت معه ابتسامته.

 

إنها ليست مجرد جراحة تطورت…

 

إنها قصة حضارة اسمها الطب.

 

 

ولم يكن طب العيون استثناءً.

 

انظروا إلى الأشعة.

 

من صورة بسيطة بالأبيض والأسود…

 

إلى الصور الظليلة…

 

إلى الأمواج فوق الصوتية…

 

إلى الطبقي المحوري…

 

إلى الرنين المغناطيسي…

 

حتى أصبح الطبيب يرى داخل الجسم بدقة تفوق الخيال، دون أن يجرح الجلد.

 

وانظروا إلى أمراض القلب.

 

كان احتشاء القلب قبل عقود حكمًا بالعجز، وربما بالموت.

 

أما اليوم، فإن المريض قد يدخل إلى المستشفى بألم صدري، ويخرج بعد أيام قليلة وقد عاد إلى حياته وعمله، بفضل القثطرة، والدعامات، والتقنيات الجراحية المتقدمة.

 

 

ثم جاءت الثورة التي لم يشهد التاريخ الطبي مثيلًا لها…

 

ثورة الذكاء الاصطناعي.

 

قبل عشرة أعوام فقط، لو قيل إن الحاسوب سيقرأ صور الشبكية، أو يكتشف الأورام في صور الأشعة، أو يساعد الطبيب في اختيار العلاج الأمثل، لابتسم كثيرون وعدّوا ذلك من الخيال العلمي.

 

أما اليوم، فإن هذا الخيال يجلس معنا في العيادة، ويدخل معنا إلى غرفة العمليات، ويشاركنا قراءة الصور الطبية وتحليل البيانات.

 

ومع ذلك…

 

فإن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من القوة، لن يشعر بارتجافة يد أم تمسك بيد طفلها المريض.

 

ولن يفهم الصمت الذي يسبق دمعة مريض ينتظر نتيجة خزعة.

 

ولن يعرف كيف تمنح كلمة صادقة أملاً قد تعجز عنه الأدوية.

 

سيبقى الطبيب هو الضمير…

 

ويبقى الذكاء الاصطناعي هو الأداة.

 

والحضارة الحقيقية ليست في أن يحل أحدهما مكان الآخر، بل في أن يعملا معًا من أجل الإنسان.

 

 

لقد علّمتني سنوات الطب أن الطبيب الذي يتوقف عن حضور المؤتمرات، وعن قراءة الأبحاث، وعن مناقشة زملائه، يبدأ بالتراجع دون أن يشعر.

 

فالعلم يشبه النهر…

 

إذا توقفت عن السير معه، فلن يبقى مكانك ثابتًا، بل سيبتعد عنك.

 

ولهذا فإن حضور مؤتمر علمي ليس رحلة سفر، بل رحلة إلى المستقبل.

 

وقراءة بحث جديد ليست هواية، بل واجب أخلاقي تجاه كل مريض يضع ثقته بين يدي طبيبه.

 

 

ويبقى الإنسان، مهما أوتي من علم، تلميذًا في مدرسة الخالق.

 

قال تعالى:

 

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾

 

وقال سبحانه:

 

﴿وَعَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

 

وستظل هذه الآيتان تختصران أعظم حقيقة في الطب…

 

أن العلم لا ينتهي…

 

 

وأن الطبيب العظيم ليس من يعرف كل شيء، بل من يدرك أن هناك دائمًا شيئًا جديدًا يستحق أن يتعلمه.

 

فالطبيب الذي يكتفي بما تعلمه في الجامعة، يشبه من يبحر بخريطة قديمة في بحر تتغير ملامحه كل يوم.

 

 

وسيظل الطب، ما بقي الإنسان، رسالة علم ورحمة، لا ينهض بها إلا طبيب يؤمن بأن يومًا لا يتعلم فيه شيئًا جديدًا… هو يوم ابتعد فيه خطوة عن رسالته

 

رحم الله من علّمنا، وبارك في كل طبيب بقي طالب علم، لأن حياة الناس تستحق أن نتعلّم لها كل يوم.

 

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

 

 


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...