خمسة سيلفي!!

خمسة سيلفي!!

خمسة سيلفي!!

 

طاهر عصفور*

 

١

منذ عرفته أصابتني تعاسة، أود نزعه لكنني أحتضنه، أدرك خطره لكن لا رفيق مثله. أحسب أيامي؛ عشرون ألف مشاركة، علامة إعجاب كبيرة، مئات علامات الحب. أحد أصدقائي الحمقى يضع تعبيرًا أضحكني، لماذا أشعر بالخواء إذًا؟

٢

ينظر إليّ الفتى بعينين ضارعتين وشفة متوترة: أتشتري جهازًا لي؟

حاولت عدم النظر إلى الفتى المرتجف وصمتُّ.

أردف: سأوفر من مصروفي!

حانت مني التفاتة إلى وجهه المتلهف، وقلت: سأروي في الأمر وأخبرك... توكل على الله.

انصرف، وفي خطوته بقية أمل.

كل أبناء جيله يملكون جهازًا... حُسم الأمر إذًا... سأشتري له واحدًا.

مرت لمحة من ذكرى قديمة لوقوفي مرتعدًا أمام أبي، وفي عينيّ نفس الرجاء الذي شاهدته قبل قليل.

وعندما سألني عما أريده كهدية، تعرقت، ولكن الكلمات انطلقت مسرعة من فمي:

الأيام لطه حسين.

٣

قال ساخرًا - كعادته -: لمَ لا تستعين بأحد المؤثرين في السوشيال ميديا؟ دعاية مدفوعة، وسترى حجم مبيعات مجموعتك القصصية.

كظمت غيظي الذي كاد أن يخرج على شكل كلمة قبيحة تذكر أهله بسوء.

لكني أدركت أنه يتغذى على تلك الانفعالات العفوية التي تخرج مني؛ فابتسمت، وأنا أكاد أتميز غيظًا.

تبدى لي أثناء عودتي للمنزل حجم الاحتراق الذي أمر به يوميًا، والمرات التي وقفت بها أمام ذاتي عاريًا مستنطقًا الأصالة والإبداع.

أردت أن أفصل عقلي عن جسدي لفترة بسيطة، أمسكت هاتفي وبدأت بالتقليب فيه لساعة كاملة.

٤

تناولت شاي العصاري ذاك اليوم، ذلك الشاي الذي لو غاب عني دهرًا لم ترغبْه نفسي.

ولكن هي عادات زوجي المصون، فلا ضير.

اقتحمت عزلتي الاختيارية، وبدأت بالحديث المتلهف: فلانة مشهورة التيك توك رفعت قضية على فلان لنشره أسرارًا تخصها، أما فلان مشهور السناب شات فقد حُبس بتهمة تجارة المخدرات، فلانة مشهورة الإنستغرام ذهبت في رحلة لمدريد.

بعد ثرثرة طويلة ختمتها بتحسر خفي على حظها، تركتني أنجو بحطام نفسي.

لا أرى عزلة البتة الآن، بل مقاطع فيديو قصيرة تُعرض على سقف الغرفة.

٥

عند عودتي من العمل أنفض عن عاتقي آثار سماجة الدنيا؛ سأفتح الباب الآن وسأتنفس الصعداء.

تركض نحوي ابنتي ذات السبعة أعوام، تاركةً الشاشة الموصولة باليوتيوب، حاضنةً نصفي السفلي، وستصرخ: بابا حبيبي... اشتقت لك!

ستتبخر كل الخيبات والمحاولات والنجاحات والهزائم في تلك اللحظة، ويبقى ذاك الثغر الباسم بلسمًا لكل متعب.

سأحتضنها، وبعد جولة من القبل أسألها بكل ما في قلبي من بقايا أمل:

ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟

تتابع النظر إلى الشاشة الكبيرة أمامها، ثم تضع إصبعها الصغير متحسسة شفتها السفلى – كما أفعل أنا عندما أفكر –: يوتيوبر!

 

* كاتب أردني.


كلمات البحث

تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...