عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!! د. تمام كيااني

عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!!  د. تمام كيااني

عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

ليس عيد الأضحى مجرد مناسبة دينية عابرة، ولا طقسًا احتفاليًا يتكرر كل عام، بل هو رحلة روحية عميقة في معنى الإنسان، ومعنى الطاعة، ومعنى اللقاء بين الأرض والسماء. إنه العيد الذي تتجلى فيه أعظم صور الإيمان والتضحية والمحبة الإنسانية، حتى بدا وكأنه ولادة جديدة للروح في كل عام.

 

في هذا العيد العظيم، تتجه قلوب ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة وعرفات، حيث يقف البشر متجردين من الفوارق والألقاب والمناصب، يرتدون لباسًا واحدًا، وكأن الإنسانية كلها تعود إلى أصلها الأول. هناك، في عرفات، يقف الإنسان أمام ذاته قبل أن يقف أمام ربه، فيكتشف كم أن الحياة قصيرة، وكم أن الروح تحتاج إلى الصفاء أكثر من حاجتها إلى الامتلاك.

 

ويوم عرفة ليس يومًا عاديًا في الزمن، بل هو أعظم أيام السنة، اليوم الذي تتفتح فيه أبواب الرحمة على مصراعيها، وتفيض فيه المغفرة على القلوب المنكسرة، حتى يشعر الإنسان أن السماء تقترب من الأرض أكثر من أي وقت آخر. إنه يوم المصالحة الكبرى؛ مصالحة الإنسان مع الله، ومع نفسه، ومع الآخرين.

 

وقد كرم الله سبحانه وتعالى هذا الحدث العظيم بأن خصص في القرآن الكريم سورة كاملة تحمل اسم “سورة الحج”، وكأن الحج لم يكن مجرد عبادة، بل رسالة حضارية وإنسانية خالدة. ففي الحج تختفي الحدود بين الشعوب، وتسقط الحواجز بين الأجناس واللغات، ليبقى الإنسان فقط… ذلك الكائن الباحث عن الرحمة والمعنى والسلام.

 

أما الأضحية، فهي ليست ذبحًا للحيوان بقدر ما هي ذبح للأنانية والطمع والخوف داخل النفس البشرية. إنها إعلان رمزي بأن الإنسان الحقيقي هو من يستطيع أن يعطي، وأن يشارك الآخرين رزقه وفرحه وطمأنينته. لذلك يحمل عيد الأضحى بعدًا اجتماعيًا عظيمًا، حيث تمتد الموائد إلى الفقراء والمحتاجين، وتُفتح البيوت للأقارب والأصدقاء، فتعود العلاقات الإنسانية إلى دفئها الأول.

 

وفي عالم يمتلئ بالصراعات والعزلة والقلق، يأتي عيد الأضحى ليذكر البشرية بأن الروح لا تُشفى إلا بالمحبة، وأن المجتمعات لا تبنى إلا بالتكافل، وأن الإنسان مهما بلغ من قوة وعلم، يبقى محتاجًا إلى لحظة صفاء يقف فيها أمام خالقه بقلب متواضع.

 

عيد الأضحى ليس عيدًا للحظة… بل عيد لفلسفة كاملة في الحياة؛ فلسفة تقول إن أعظم ما في الإنسان ليس ما يملكه، بل ما يمنحه، وليس ما يأخذه، بل ما يضحي به من أجل الآخرين.

 

كل عام والأمة الإسلامية والإنسانية كلها بألف خير 

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!! د. تمام كيلاني

ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حقوق الإنسان والحريات العامة!! د. لبنى مرتضى

حقوق الإنسان والحريات العامة!! د. لبنى مرتضى
بوابة دمشق

أمل منشاوي: بين الكتابة والهوية والذات!! كوثر جعفر

أمل منشاوي: بين الكتابة والهوية والذات!! كوثر جعفر
بوابة دمشق

"خارج إطار النافذة.. السطر الأول في تاريخ سوريا الجديدة!! عمر جمعة

"خارج إطار النافذة.. السطر الأول في تاريخ سوريا الجديدة!! عمر جمعة
بوابة دمشق

حين يتكلم الجهل بثقة..!! د. تمام كيلاني

حين يتكلم الجهل بثقة..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني

القرآن: لماذا اختار الله لهذا الكتاب هذا الاسم!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...