في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح! د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني
في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح!
د. تمام كيلاني*
في الحادي والعشرين من آذار، لا يبدأ الربيع فحسب، بل ينكشف المعنى. كأن الزمن، الذي ظلّ يدور بصمتٍ ثقيل، يتوقف لحظةً ليعيد تعريف نفسه. هنا، لا تعود الفصول تعاقباً في الطبيعة، بل حالاتٍ في الوعي؛ والربيع ليس انتقالاً في الطقس، بل تحوّلٌ في الرؤية.
في هذا اليوم، تستيقظ الأرض لا من نومٍ عابر، بل من غفلةٍ عميقة. تسترد ذاكرتها الأولى، حين كان الضوء فكرةً نقية، وحين كان المطر كتابةً أولى على صفحة الوجود. الغيوم لا تنقشع، بل تنسحب كستارةٍ أُسدلت طويلاً، لتُكشف خشبة الكون من جديد. والشمس لا تشرق، بل تُعلن حضورها كحقيقةٍ لا تقبل التأجيل.
الربيع، في جوهره، ليس ما نراه… بل ما نفهمه متأخرين.
تحت هذا الضوء، لا تعود الأشجار أشجاراً، بل استعاراتٍ قائمة. أغصانها أسئلة مرفوعة نحو السماء، وأوراقها إجاباتٌ لم تكتمل بعد. كل برعمٍ هو احتمال، وكل زهرةٍ هي اعتراف بأن الجمال ليس زينة العالم، بل لغته السرية.
في 21 آذار، تتكلم الأشياء التي ظنناها صامتة. الحقول تهمس بأن الصبر ليس انتظاراً، بل شكلٌ آخر من الفعل. الطيور، في عودتها، لا تقطع المسافات فحسب، بل تهدم فكرة البُعد ذاتها. حتى المطر، حين يمرّ خفيفاً، لا يسقط على الأرض، بل على المعنى؛ كأنه يوقّع هدنةً بين القسوة والرجاء.
لكن التحول الحقيقي لا يحدث خارجنا.
في هذا اليوم، يكتشف الإنسان أن داخله فصولاً أيضاً. وأن الشتاء الذي ظنه قدراً، لم يكن سوى مرحلةٍ من إنضاج الروح. فجأة، يتسع صدره كما تتسع السماء، ويخفّ حزنه كما تخفّ الغيوم، ويشعر أن شيئاً ما فيه قد أزهر… دون أن يعرف متى زُرع.
الربيع لا يأتي… بل يُفهم.
«قم بنا يا صاحِ»… ليست دعوةً للمشي، بل للخروج من الزمن القديم. أن نخلع عاداتنا كما تخلع الأشجار أوراقها اليابسة، وأن نعيد النظر في كل ما اعتدناه حتى صار يشبهنا أكثر مما ينبغي. ففي 21 آذار، لا يُطلب من الإنسان أن يتغير، بل أن يعود؛ أن يعود إلى نسخته الأولى، قبل أن تثقله التفسيرات، وقبل أن تُرهقه المعاني الجاهزة.
المدن، في هذا اليوم، لا تتزين… بل تتنفس. الأرصفة تستعيد ذاكرة الخطوات، والمقاهي تتحول إلى مسارح صغيرة للاعتراف، حيث تُقال الكلمات المؤجلة دون خوف. الأطفال لا يركضون خلف الفراشات، بل خلف المعنى الخفيف للحياة. والعشاق لا يتحدثون، لأن اللغة في هذا الفصل تصبح زائدة عن الحاجة.
في حيّ الربيع، حيث تتشابك الأغصان كأنها أفكارٌ متصالحة، تتحول الأرض إلى «حديقة للأرواح». هناك، لا يبحث الإنسان عن السكينة، بل يجدها حين يتوقف عن البحث. يكفي أن يجلس تحت شجرة، لا ليرتاح، بل ليصغي؛ فالصمت في هذا الفصل ليس فراغاً، بل امتلاء لا يُرى.
الربيع يعلّمنا أن الفقد ليس غياباً، بل إعادة ترتيبٍ خفي. فالأشجار التي بدت عارية، لم تكن تنقصها الحياة، بل كانت تُعيد توزيعها. وكذلك الإنسان؛ ما يسقط منه ليس دائماً خسارة، بل أحياناً تخفيفٌ ضروري ليتمكن من النمو في اتجاهٍ آخر.
في 21 آذار، تتغير حتى فكرة الزمن. لا يعود خطاً مستقيماً، بل دائرةً رحيمة. كل نهاية فيه بدايةٌ مقنّعة، وكل انكسار احتمالٌ مؤجل للتماسك. هنا، يدرك الإنسان أن ما ظنه تأخراً، قد يكون دقةً في التوقيت، وأن الحياة لا تعطي متأخرة، بل تعطي حين نصبح قادرين على الفهم.
وفي هذا اليوم، تميل القلوب إلى الصفح، لا لأن الآخر تغيّر، بل لأن الداخل اتّسع. الكلمات القاسية تفقد حدّتها، لأن المعنى نفسه أصبح أعمق من أن يُختصر في جرح. يشعر المرء برغبةٍ هادئة في ترتيب فوضاه، لا ليصبح مثالياً، بل ليصبح صادقاً.
إنه يوم الاعتراف بأن الحياة ليست كما نريد، لكنها أيضاً ليست كما نخاف.
لذلك، في 21 آذار، لا يكفي أن نفتح النوافذ… بل أن نفتح المعنى. أن نسمح للضوء أن يدخل لا إلى الغرف فقط، بل إلى أفكارنا القديمة. أن نعيد النظر في كل ما أغلقناه، وفي كل ما ظنناه نهاية.
قم بنا يا صاحبي… لا إلى مكان، بل إلى حالة. إلى تلك المساحة التي يصبح فيها الوجود أخف، والزمن ألين، والقلب أكثر قابليةً لأن يصدق.
هناك، بين الضوء والنسيم، نفهم أخيراً أن الحياة ليست سلسلة أحداث، بل سلسلة إدراكات. وأن الربيع ليس فصلاً ننتظره، بل حقيقة نصل إليها حين نتصالح مع التحوّل.
ففي 21 آذار، لا يقول الربيع: “ها أنا ذا”…
بل يهمس:ها أنت عدت.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!! محمد رستم
الرواية " سراب" هل استطاعت الخروج من محيطها؟!
سيدة الصالون… أم كاهنة الفساد في عصر الانحطاط؟
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...