أربعون عاماً "طب وإغاثة ووفاء" من الغربة إلى خدمة الوطن ..!! د. تمام كيلاني
أربعون عاماً "طب وإغاثة ووفاء" من الغربة إلى خدمة الوطن ..!!
د. تمام كيلاني*
هناك أعمال تمرّ في حياة الإنسان ثم تنتهي، وهناك أعمال تترك أثراً يبقى بعد أصحابها.
وهناك سنوات لا يستطيع الإنسان أن يختصرها في صفحات، لأنها لم تكن مجرد سنوات من العمر، وإنما كانت رحلة كاملة من التجربة والعمل والعطاء، حمل فيها الإنسان مهنته وقيمه ووطنه أينما ذهب.
وهكذا كانت مسيرتي في الغربة.
أكتب هذه الصفحات اليوم لا لأروي سيرة شخصية، ولا لأحصي أعمالاً أو أبحث عن مجد، وإنما لأحفظ شيئاً من ذاكرة أربعة عقود من العمل الطبي والإنساني والإغاثي، ولأوثق مسيرة شاركني فيها عشرات الأطباء والزملاء والأصدقاء والمتطوعين وأهل الخير.
البداية… من الرابطة
ولأن لكل مسيرة بداية، فإن الوفاء يقتضي أن أبدأ من أصحاب الخطوة الأولى.
أتوجه أولاً بخالص الشكر والتقدير إلى الزملاء الأوائل الذين كان لهم الفضل في تأسيس رابطة الأطباء السوريين النمساويين، تلك الرابطة التي لم تكن مجرد تجمع مهني، وإنما كانت المدرسة الأولى التي تعلمنا فيها معنى العمل الجماعي، وربطتنا بوطننا وبزملائنا في العالم العربي، وفتحت أمامنا الطريق إلى المؤتمرات والفعاليات الطبية والإنسانية.
وكان لهذه الرابطة الفضل الأكبر في أن أمسك بالخيط الأول لهذه المسيرة، وأن أكتشف أن الطبيب يستطيع أن يكون أكثر من ممارس لمهنته؛ يستطيع أن يكون جسراً بين الناس، وصوتاً للعلم، ويداً تمتد إلى المحتاج.
وفي مقدمة هؤلاء الرجال، يقف الأخ الكبير الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، الذي كانت له الفكرة الأولى في إنشاء رابطة الأطباء السوريين النمساويين، وكان له دور أساسي في انطلاقها وما قامت به من مؤتمرات وفعاليات طبية وإنسانية في سوريا والوطن العربي.
كما أذكر بكل تقدير ومحبة الدكتور سمير جوخدار، أطال الله في عمره، لما قدمه من جهد وعطاء، ولما كان له وللزملاء الأوائل من أثر في ترسيخ هذه التجربة.
وأستذكر بكل الوفاء زملاء أعزاء سبقونا إلى ديار الحق، لكن آثارهم بقيت حاضرة في وجداننا وفي الأعمال التي شاركوا فيها.
وأخص منهم المرحوم الدكتور علاء الدين حلاق، الذي فقدت بوفاته أخاً عزيزاً وسنداً حقيقياً في العمل الإنساني، وكان حضوره في هذه المسيرة أكبر من أن تختصره الكلمات.
كما أذكر بكل الوفاء المرحوم الدكتور بشار أبو حرب، والمرحوم الدكتور سليم البني، والمرحوم الدكتور هاني الزعيم، رحمهم الله جميعاً، فقد كانوا جزءاً من البدايات، وكان لكل منهم أثر وبصمة لا تنسى.
ولا بد كذلك من ذكر الأخ العزيز الأستاذ الدكتور أحمد الحموي، أطال الله في عمره، تقديراً لما جمعنا به من أخوة وزمالة وعمل في سبيل خدمة الإنسان والوطن.
وكذلك الاخ الدكتور إحسان قشلان
اطال الله في عمره .
من الرابطة إلى مسيرة واسعة
كبرت الفكرة مع الأيام، واتسعت دائرة العمل.
فبعد رابطة الأطباء السوريين النمساويين جاءت محطات أخرى، منها اتحاد النمساويين العرب، ثم اتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا، حيث اتسع العمل ليشمل النشاط الطبي والعلمي والإنساني، وتقديم المساعدات للمحتاجين في فلسطين والعراق وسوريا، وفي مناطق أخرى من العالم العربي وخارجه.
وأصبحت المؤتمرات الطبية جسوراً للتواصل بين الأطباء العرب والأوروبيين، ومنابر لتبادل المعرفة والخبرة، ووسيلة لفتح أبواب التعاون والعمل المشترك.
وخلال نحو أربعين عاماً، شاركت في تنظيم أو الإسهام في 33 مؤتمراً وفعالية طبية في فيينا والنمسا وأوروبا، وفي تونس والقاهرة وبغداد والسودان والأردن وسوريا والمغرب وإيران وأوزبكستان وغيرها.
وكان لمؤتمر بغداد عام 2000 مكانة خاصة في هذه المسيرة، كما كان للمشاركة في علاج جرحى الثورة في مصر عام 2011وإرسال سيارات الإسعاف والمساعدات الطبية، أثر عميق في تجربتي الإنسانية.
كما كان من واجبنا الوقوف إلى جانب الأطباء والصيادلة السوريين الذين اضطروا إلى الهجرة إلى النمسا وأوروبا، ومساعدتهم في بداية طريقهم المهني، والوقوف إلى جانبهم في مواجهة صعوبات الغربة والاندماج المهني.
بعد التحرير… حين عاد الوطن إلى الواجهة
ثم جاءت لحظة مختلفة.
لحظة التحرير.
بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والتهجير، لم يعد السؤال كيف نخدم الوطن من الغربة، وإنما كيف نعود بخبراتنا وعلاقاتنا وإمكاناتنا لنساهم في خدمته على أرضه.
كان المشهد الصحي في سوريا يحتاج إلى الكثير؛ مستشفيات ومستوصفات مدمرة أو منهكة، تجهيزات ناقصة، وكوادر طبية تحتاج إلى الدعم، ومجتمعات أنهكتها سنوات الحرب.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من العمل الطبي والإنساني، شاركت فيها بصورة شخصية، وبالتعاون مع إخوة وزملاء في فرنسا والإمارات وألمانيا وسوريا، وفي مقدمتهم كل من آمن بأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى العمل لا إلى الكلام.
وفي هذه المرحلة جاءت فكرة تشكيل الجمعية الطبية الأوروبية العربية وبتشجيع من الاخ الاستاذ الدكتور عبد المنعم حميد في فرنسا بهدف جمع الطاقات الطبية في أوروبا والعالم العربي، وتوجيهها نحو دعم القطاع الصحي والإنساني في سوريا وكان من باكورة هذه الأعمال
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الاول في سوريا عام 2025
والذي كان من اكبر المؤتمرات الطبيه التي تعقد بسوريا وشارك فيه اكثر من 1300 طبيب وطبيبه من سوريا وخارجها .
وكان لي شرف المساهمة في إعادة بناء وترميم عدد من المستوصفات والمراكز الصحية، ومنها مستوصف كفر عويد، ومستوصف حاس، ومستوصف اللطامنة، ومستوصف الشريعة في سهل الغاب، إضافة إلى دعم مركز غسيل الكلى في معرة النعمان.
كما تم تقديم وإهداء عدد من الأجهزة والمعدات الطبية إلى مؤسسات صحية، ومنها مستوصفات العيون في حرستا، ومشفى المواساة، ومشفى حلب الجامعي الكبير.
وامتدت المبادرات إلى دعم بعض المدارس وإعادة تأهيلها، لأن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تكتمل من دون إعادة بناء الإنسان.
كما امتدت إلى بيوت الله، ومن ذلك المساهمة في إعادة إعمار مسجد اخي
المرحوم معتصم الكيلاني في قرية اللطامنة.
وفي هذه المرحلة، لا يمكنني أن أنسى الدعم والمساندة التي قدمها الأخ العزيز الدكتور أسامة الببيلي، الذي كان من الداعمين لهذه المشاريع بعد التحرير في سوريا، وساهم معنا في دفع هذه الجهود إلى الأمام.
العطاء… جهد جماعي
وما كان لهذه المشاريع أن ترى النور لولا تكاتف عدد كبير من الناس.
ومن هنا أتوجه بخالص الشكر والامتنان إلى جميع الزملاء والإخوة والأخوات في الجالية السورية والعربية في النمسا، الذين وقفوا إلى جانب هذه المشاريع، وقدموا التبرعات والدعم والتشجيع، وكان لهم دور أساسي في تنفيذ قسم كبير منها.
كما أتوجه بالشكر إلى جمعية تكافل الخيرية والقائمين عليها، لما قامت به من دور في تنفيذ عدد من المشاريع الإنسانية والخدمية في سوريا بعد التحرير، وتحويل تبرعات أهل الخير إلى أعمال ومشاريع ملموسة على الأرض.
وأشكر كل من ساهم، سواء بالمال أو الجهد أو الخبرة أو الوقت أو الكلمة الطيبة.
فالمشروع الإنساني لا يصنعه شخص واحد، وإنما تصنعه قلوب تتفق على الخير وأيدٍ تتعاون من أجل الإنسان.
كلمة وفاء للدكتور عبد المنعم حميد
ولا بد لي كذلك من وقفة خاصة مع الأخ العزيز والزميل الدكتور عبد المنعم حميد من فرنسا، الذي كان لإيحائه وتشجيعه أثر كبير في ولادة فكرة هذا الكتاب.
فقد دفعني إلى أن أنظر إلى الوراء، وأن أرى أن ما مضى من أربعين عاماً ليس مجرد ذكريات شخصية، وإنما تجربة تستحق أن تحفظ وتوثق، وأن يعرف الجيل القادم شيئاً عن رجال وأطباء ومتطوعين ومحسنين عملوا في صمت، وتركوا وراءهم أثراً.
كانت كلماته هي الشرارة التي جعلتني أفكر في جمع الصور والوثائق والذكريات والأسماء، وتحويلها إلى شهادة مكتوبة.
وله مني كل الشكر والامتنان.
لماذا هذا الكتاب؟
لأن الذاكرة أمانة.
ولأن كثيراً من الأعمال الإنسانية تنتهي بانتهاء المشروع، ثم تضيع تفاصيلها وأسماء أصحابها مع مرور السنوات.
ولأنني أؤمن أن ما قمنا به لم يكن ملكاً لشخص واحد، فإن هذا الكتاب لا أريده أن يكون كتاب إنجازات شخصية، وإنما كتاب وفاء وذاكرة.
وفاء للأطباء والزملاء الذين بدأوا معنا الطريق.
وفاء لمن سبقونا إلى ديار الحق.
وفاء لكل متبرع، ومتطوع، وطبيب، وممرض، وصيدلي، ومؤسسة، وجمعية، وكل إنسان مد يده للمساعدة.
وفاء لكل من ساهم في بناء مستوصف، أو تجهيز مستشفى، أو ترميم مدرسة، أو إعمار مسجد، أو مساعدة طبيب، أو علاج مريض.
وإذا كان اسمي سيظهر على غلاف هذا الكتاب، فإن الحقيقة أن صفحاته تحمل أسماء وأيادي وقلوب كثيرين ممن شاركوني الطريق.
لقد تعلمت خلال هذه المسيرة أن الغربة قد تبعد الإنسان عن وطنه، لكنها لا تستطيع أن تنتزع الوطن من قلبه.
وتعلمت أن الطب ليس مجرد مهنة، وإنما رسالة، وأن الطبيب يستطيع أن يخدم الإنسان بعلمه، كما يستطيع أن يخدمه بموقفه، وعلاقاته، وخبرته، ووقته، وماله.
ولهذا اخترت لهذا الكتاب عنوانه:
مسيرة في الغربة… طب وإغاثة ووفاء
أربعون عاماً بدأت بالطب، واتسعت بالإغاثة، وتعمقت بالوفاء، وانتهت بنا إلى مسؤولية جديدة: أن نضع ما تعلمناه وما اكتسبناه في خدمة الوطن، وأن نساهم، ولو بقدر متواضع، في بناء سوريا التي نحلم بها.
أسأل الله أن يتقبل من كل من ساهم في هذه المسيرة، وأن يرحم من فقدناهم، ويجزي الأحياء خير الجزاء، وأن يجعل ما قدمناه خالصاً لوجهه الكريم.
وأسأله سبحانه أن يحفظ سوريا وأهلها، وأن يعوض شعبها عن سنوات الألم والدمار، وأن يجعل مستقبلها أمناً وحرية وكرامة وبناءً، وأن يوفق أبناءها في الداخل والخارج ليكونوا شركاء في نهضتها.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
إقرأ أيضًا
حين يمتلك السياسي السلطة ولا يمتلك ثقافة الحكم!
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
الاكثر شهرة
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...
عودة!! نعمت الحاموش
عودة!! نعمت الحاموش* دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
إنسانية اللحظة!!
إنسانية اللحظة!! ملاك صالح صالح* بالقطار لا تُقاس المسافات بالوقت وحده، بل تُقاس بمدى إنس...