أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا
د. تمام كيلاني
أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا
د. تمام كيلاني
قد يتساءل أي شخص، عند الحديث عن المهجر والجاليات، عن المعنى الحقيقي للعطاء، وعن السبب الذي يدفع البعض لتقديم المساعدة بلا مقابل. بالنسبة لي، كان الأمر واضحًا منذ البداية: ما أقدمه للجالية السورية في النمسا ليس خدمة، بل واجب إنساني وأخلاقي ينبع من الضمير، والتربية، والدين، والرحمة التي تعلمناها منذ الصغر.
وفي هذا السياق، أتذكر كلمات شكسبير الحكيمة:
«أنا دائمًا سعيد! لأنني لا أنتظر شيئًا من أحد. التوقع هو أصل الألم.»
هذه المقولة تلخص تجربتي تمامًا. فالسعادة الحقيقية لا تأتي من مقابل، ولا من اعتراف الآخرين بجميلك، بل من الرضا الداخلي والنية الصافية عند تقديم العون. حين قدمت للجالية السورية ما أستطيع – استماعًا، دعمًا، نصحًا، رعاية – لم يكن انتظاري لمكافأة أو شكر، بل شعور بأنني أديت ما يفرضه ضميري وتربيتي وديني وإنسانيتي.
الجالية السورية هنا في النمسا تعيش وضعًا معقدًا:
البعض جاء هربًا من الحرب والدمار، يحمل معهم ذكريات مؤلمة وفقدانًا للوطن.
البعض الآخر يواجه صعوبات الاندماج في المجتمع الجديد، سواء في اللغة أو الثقافة أو العمل.
البعض هم في الأصل هما قبلنا كلنا وأسسوا حياتهم وارتضوا بما قسم الله لهم.
هناك تحديات اقتصادية ونفسية واجتماعية، تجعل من كل يوم في الغربة اختبارًا حقيقيًا للصبر والكرامة.
في مواجهة هذه التحديات، وجدت نفسي أمام خيارين: إما الاكتفاء بالمشاهدة، أو تقديم ما أستطيع، مهما كانت القدرة محدودة. اخترت الطريق الثاني، معتمدًا على شعوري الداخلي بالمسؤولية الإنسانية، وليس على توقعات من أحد.
ما يميز هذا العطاء هو أنه لا يُقاس بالمال أو الشهرة، بل بالنية الصافية والضمير الحي. كل اجتماع عقد ، كل ابتسامة، كل كلمة طيبة، كل خطوة دعم كانت بمثابة تأكيد على أن الإنسانية لا تعرف حدود الوطن أو الجنسية.
اليوم، حين أنظر إلى وضع الجالية السورية في النمسا، أرى قصص صمود وإصرار على الحياة. أرى شبابًا يتعلمون، وعائلات تعيد بناء حياتها، وكبارًا يحاولون نقل خبراتهم وحكمتهم. وفي هذا المشهد، أشعر بارتياح عميق، لأنني كنت جزءًا صغيرًا من رحلتهم، أقدمت لهم ما يفرضه ضميري وتربيتي وديني وإنسانيتي، بلا توقع أو شرط.
إن العطاء بلا انتظار مقابل، هو سر السعادة الحقيقية، كما قال شكسبير: السعادة لا تأتي من التوقع، بل من القدرة على العطاء بصدق وضمير حي. لا توجد فرحة أعظم من أن ترى من حولك يتحسن وضعهم، ويستعيدون شيئًا من كرامتهم، بعد أن فقدوا الكثير. وهذا ما يجعلني أؤمن أن الحياة الحقيقية ليست فيما نملك،
بل فيما نقدمه للاخرين .
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا