أربعة لا يُهزمون في بلادنا!!

أربعة لا يُهزمون في بلادنا!!
د. تمام كيلاني

أربعة لا يُهزمون في بلادنا!!

د. تمام كيلاني*

 

قراءة في الواقع السوري في عهد البعث وحكم عصابات الأسد

مقدّمة

من الأقوال التي خلدها التاريخ، وبقيت صالحة لوصف المجتمعات المأزومة عبر العصور، المقولة الآتية:

«أربعة لا يُهزمون في بلادنا:
غنيٌّ يشتري القانون،
وقويٌّ تحميه العشيرة،
ومتملّقٌ يتقن المديح،
وجاهلٌ يتبعه القطيع.»

ليست هذه العبارة حكمة عابرة، بل تشخيصًا دقيقًا لبنية الخلل في الدول التي غابت فيها العدالة، وضعفت فيها المؤسسات، وتحول الحكم فيها من منظومة قانون إلى شبكة مصالح مغلقة. وإذا ما أُسقط هذا القول على الواقع السوري في عهد حزب البعث، ولاحقًا في ظل حكم عصابات الأسد، بدا كأنه كُتب خصيصًا لوصف تلك المرحلة القاتمة من تاريخ سوريا.

أولًا: الغني الذي يشتري القانون

في ظل حكم البعث، لم يكن القانون مرجعية عليا تُطبَّق على الجميع، بل أداة انتقائية تُفصَّل وفق مصالح السلطة وحلفائها. فقد نشأت طبقة من الأثرياء المرتبطين مباشرة بمراكز القرار السياسي والأمني، استطاعت شراء القوانين، أو تعطيلها، أو ليّها بما يخدم مصالحها الخاصة.

تحول الفساد من ظاهرة طارئة إلى منظومة متكاملة، وأصبحت الرشوة والمحسوبيات أسلوب إدارة يومي، لا انحرافًا فرديًا. وهكذا فُقدت ثقة الناس بالدولة، إذ لم تعد العدالة حقًا عامًا، بل امتيازًا يُشترى بالمال أو الولاء.


ثانيًا: القوي الذي تحميه العشيرة

لم تُبنَ الدولة السورية الحديثة على أساس المواطنة المتساوية، بل على منطق الولاءات الضيقة: الطائفية، والعشائرية، والأمنية. فأصبح “القوي” ليس من يحتكم إلى القانون، بل من تحميه شبكة أمنية أو عشائرية أو طائفية.

هذا الواقع دمّر مفهوم الدولة، وحوّلها إلى كيان هشّ تُدار شؤونه بمنطق العصابة لا المؤسسة. فالقوة لم تعد نابعة من الشرعية، بل من القرب من السلطة، ومن الاستعداد لاستخدام العنف بلا مساءلة أو محاسبة.

ثالثًا: المتملّق الذي يتقن المديح

في أنظمة الاستبداد، لا مكان للكفاءة أو الصدق، بل يُكافأ من يُجيد التملّق وتزوير الواقع. وقد بلغت ثقافة التملّق في سوريا ذروتها، ولا سيما في الأشهر الأولى من عام 2011، في وقتٍ كانت فيه الاحتجاجات السلمية تعمّ البلاد، والدماء تُراق في الشوارع.

فبعد خطاب بشار الأسد في نيسان/أبريل 2011، وقف أحد أعضاء مجلس الشعب السوري وهو شيخ احد العشائر ليقول عبارته الشهيرة:
«الوطن العربي قليل عليك يا سيادة الرئيس، وأنت لازم تقود العالم ياسيادة الرئيس .»وصفق له أعضاء مجلس الشعب بالإجماع

لم تكن هذه العبارة زلّة لسان، بل تعبيرًا فاضحًا عن ثقافة سياسية قائمة على تأليه الحاكم، واختزال الوطن في شخصه. فعندما تصبح “سوريا قليلة” على الحاكم، يُلغى الوطن، وتُمحى قيمته، ويُختزل إلى ملكية خاصة.

ولم يقتصر التملّق على المؤسسة التشريعية، بل امتدّ إلى المنابر الدينية، حين وقف أحد أئمة المساجد ليخاطب بشار الأسد قائلًا:
«أنت يا سيادة الرئيس فيلسوف، وعبقري، وطبيب، ومفكّر…»
وكما اعلن مأمون رحمه مرارا وتكرار من على المنبر الأموي انه لابديل عن بشر الاسد والبديل عن العلم السوري السابق

في مشهد صادم يكشف كيف جرى توظيف الدين لتكريس الاستبداد، وتحويل المنبر من مساحة للوعظ الأخلاقي إلى أداة دعائية تبرّر القمع وتزيّن الظلم. وهكذا تحوّل التملّق من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة، تُكافئ الكذب، وتُقصي الصدق، وتُعاقب كل صوت حر.


رابعًا: الجاهل الذي يتبعه القطيع

حين يُقمع الفكر، ويُفرَّغ التعليم من مضمونه النقدي، وتُزرع الخشية في النفوس، يصبح الجهل أداة حكم فعّالة. وقد حرص النظام البعثي على إبقاء المجتمع في حالة تجهيل ممنهج، لأن الجاهل أسهل قيادة، والقطيع لا يسأل.

فنشأت أجيال تُقاد بالشعارات، وتُحرَّك بالخوف، وتُستخدم وقودًا لحروب وجرائم لا مصلحة لها فيها، بينما تُصادر إرادتها باسم الوطن، والمقاومة، والمؤامرة الكونية.

سوريا بين الأمس واليوم: قراءة في المصير

لقد اجتمعت هذه العناصر الأربعة في سوريا خلال عقود حكم البعث وعصابات الأسد:
مال فاسد يشتري القانون،
قوة عارية بلا مساءلة،
تملّق يُلغى فيه العقل،
وتجهيل يُنتج قطيعًا.

وكانت النتيجة دولة مدمّرة، ومجتمعًا ممزقًا، ومأساة إنسانية تُعدّ من الأشدّ قسوة في تاريخ سوريا الحديث.

أمل لا يموت

ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل قائمًا. فالتاريخ علّمنا أن الظلم، مهما طال، لا يدوم، وأن الشعوب قد تُقهَر لكنها لا تموت. ونأمل من الله عزّ وجلّ أن يكون العهد القادم بداية مرحلة جديدة، تُبنى فيها سوريا على أسس المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، واحترام كرامة الإنسان.

عهدٌ لا يُهزم فيه الحق،
ولا يُشترى فيه القانون،
ولا يُقدَّس فيه الحاكم،
بل تُصان فيه كرامة الوطن والإنسان.

وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقلب ينقلبون.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية
بوابة فيينا

عامٌ على انهيار الدولة المزيّفه…وولادة الوعي من رماد الخوف

عامٌ على انهيار الدولة المزيّفه…وولادة الوعي من رماد الخوف
بوابة فيينا

فيينا تُضيء شمس الأمل: حفل خيري نصرة لحماة

فيينا تُضيء شمس الأمل: حفل خيري نصرة لحماة
بوابة فيينا

هنا حماة من فيينا!! اتحاد الاطباء العرب بالنمسا يساند دعم القطاع الصحي بحماة

هنا حماة من فيينا!! اتحاد الاطباء العرب بالنمسا يساند دعم القطاع الصحي بحماة
بوابة فيينا

بيان رسمي حول ختام زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية

بيان رسمي حول ختام زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...