لماذا خسرت النمسا الكفاءات الجديدة؟

لماذا خسرت النمسا الكفاءات الجديدة؟

لماذا خسرت النمسا الكفاءات الجديدة؟

د. تمام كيلاني*

بعد أكثر من عقد على موجة اللجوء التي شهدتها النمسا منذ عام 2015، يبرز سؤال جوهري لم يعد بالإمكان تجاهله: لماذا فشلت النمسا في دمج الكفاءات الوافدة، ولماذا تحوّلت من بلد مستقبِل للخبرات إلى بلد خاسر لها؟

طاقات بشرية خارج منظومة الاستفادة

استقبلت النمسا خلال السنوات الماضية آلاف اللاجئين من أصحاب المؤهلات العالية، من أطباء وأطباء أسنان ومحامين وأكاديميين وإعلاميين وأساتذة جامعات وحرفيين متخصصين وخريجين بين ورجال أعمال وعمال بمختلف الحرف وزراعيين وكثير من هؤلاء يمتلكون خبرات مهنية تتراوح بين عشر وعشرين سنة في مجالاتهم.

إلا أن السياسات المعتمدة في معادلة الشهادات والاعتراف بالمؤهلات المهنية أدّت عمليًا إلى إقصاء نسبة كبيرة من هذه الكفاءات عن سوق العمل. تشير التجارب الواقعية إلى أن ما يقارب نصف المؤهلين لم يتمكنوا من ممارسة مهنتهم، ليس بسبب نقص الكفاءة، بل بسبب تعقيد الإجراءات الإدارية وشروط النقابات المهنية الصارمة.

بيروقراطية المعادلة وإهدار الزمن المهني

تتراوح مدة معادلة الشهادات في النمسا بين سنتين وست سنوات، وهي فترة طويلة تُفرض خلالها قيود صارمة تمنع المختص من العمل حتى بشكل جزئي أو تحت الإشراف. هذه السياسة لا تسبّب فقط خسارة اقتصادية للفرد، بل تمثّل هدرًا ممنهجًا لرأس المال البشري على مستوى الدولة.

فالطبيب أو الأكاديمي او المحامي او المهندس الذي يُقصى عن مهنته لسنوات طويلة يفقد تدريجيًا فرص التطور المهني، ويُدفع قسرًا نحو أعمال لا تتناسب مع مؤهلاته، أو إلى مغادرة البلاد بالكامل.

مقارنة أوروبية: النموذج الألماني

في المقابل، تعتمد دول مثل ألمانيا نموذجًا أكثر مرونة، حيث يُسمح للأطباء وأصحاب المهن الصحية بالعمل وكثير من المهن ضمن أطر قانونية محددة بالتوازي مع إجراءات المعادلة. هذا الفارق البنيوي جعل ألمانيا وجهة بديلة للكثير من الكفاءات التي غادرت النمسا بعد سنوات من الانتظار.

وبذلك، لم تخسر النمسا فقط كفاءات جاهزة للعمل، بل أسهمت عمليًا في تعزيز أسواق العمل في دول منافسة.

غياب التمييز بين الخبرة والكفاءة

أحد أبرز مواطن الخلل في النظام النمساوي يتمثل في غياب أي تمييز بين طبيب ومهندس او محام او جامعي حديث التخرج وطبيب يمتلك خبرة تمتد لعقود. فالمنظومة الحالية تتعامل مع الجميع بمنطق واحد: إما معادلة كاملة بكل تعقيداتها، أو خروج نهائي من المهنة.

هذا النهج الصلب يتجاهل المعايير الدولية التي تأخذ بالخبرة العملية، والتخصص الدقيق، والحاجة الفعلية لسوق العمل، ويحوّل الاعتراف بالمؤهلات إلى عملية إدارية جامدة لا إلى تقييم مهني عادل.

التوظيف السياسي لملف اللاجئين

بدل معالجة الخلل البنيوي في سياسات الاندماج المهني، استُخدم هذا الفشل في الخطاب السياسي كأداة دعائية. جرى تحميل اللاجئين مسؤولية مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة، في حين أن السياسات نفسها كانت سببًا مباشرًا في تعطيل اندماجهم وإقصائهم عن سوق العمل.

وهكذا، تحوّل اللاجئون من مورد بشري محتمل إلى كبش فداء سياسي في النقاشات الانتخابية.

فشل السياسات في استقطاب الكفاءات

الواقع يشير بوضوح إلى أن النظام الإداري والسياسي في النمسا أخفق في تحويل الهجرة القسرية إلى فرصة تنموية. فلم تُطوّر آليات مرنة للاعتراف بالمؤهلات، ولم تُصمّم مسارات انتقالية تسمح للكفاءات بالاندماج التدريجي، رغم النقص الحاد في قطاعات أساسية كالصحة والتعليم.

إلى أين تتجه النمسا؟

يبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار:
هل ستستمر النمسا في هذه السياسات، أم ستعيد النظر في منظومة الاعتراف بالكفاءات قبل أن تخسر المزيد منها؟والجواب كم ينتظره الجميع واضح دون الإجابة عليه من المسؤلين النمساويين
وسيكون الجواب :
Leider ist das nicht so einfach.
Wir benötigen einen Bescheid

للأسف، هذا الأمر ليس بهذه السهولة.
نحن بحاجة إلى إشعار / قرار رسمي

إن الاستثمار في رأس المال البشري لا يتحقق عبر الإقصاء والبيروقراطية، بل عبر سياسات ذكية توازن بين معايير الجودة وحاجات المجتمع. وما لم يحدث هذا التحول، ستبقى النمسا بلدًا يُنتج الهدر.

 

*رئيس الجمعية الطبية العربية الاوربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية
بوابة فيينا

عامٌ على انهيار الدولة المزيّفه…وولادة الوعي من رماد الخوف

عامٌ على انهيار الدولة المزيّفه…وولادة الوعي من رماد الخوف
بوابة فيينا

فيينا تُضيء شمس الأمل: حفل خيري نصرة لحماة

فيينا تُضيء شمس الأمل: حفل خيري نصرة لحماة
بوابة فيينا

هنا حماة من فيينا!! اتحاد الاطباء العرب بالنمسا يساند دعم القطاع الصحي بحماة

هنا حماة من فيينا!! اتحاد الاطباء العرب بالنمسا يساند دعم القطاع الصحي بحماة
بوابة فيينا

بيان رسمي حول ختام زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية

بيان رسمي حول ختام زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية
بوابة فيينا

بيان حول ملف الاطفال المفقودين في سورية!! بيان صادر عن الجمعية الطبية الأوروبية العربية

بيان حول ملف الاطفال المفقودين في سورية!! بيان صادر عن الجمعية الطبية الأوروبية العربية


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...