بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!
د. تمام كيلاني
بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!
د. تمام كيلاني
تمرّ جاليتنا اليوم بمرحلة دقيقة تحتاج فيها إلى قدرٍ عالٍ من الوعي، والحكمة، والمسؤولية الجماعية. ففي أوقات التحديات، لا يكون الخطر الأكبر قادمًا من الخارج، بل من الداخل، حين يتقدّم أصحاب الفهم القليل والمعتقدات الكثيرة ليتحدثوا باسم الجميع، دون معرفة حقيقية أو مشاركة فعلية.
أخطر البشر ليسوا من يجهلون فحسب، بل من يجهلون ويظنون أنهم يعلمون. فالمعرفة الناقصة قد تُعالَج، أما اليقين المبني على الجهل فيغلق باب الحوار، ويحوّل الاختلاف الطبيعي إلى صراع، والنقد إلى هدم، والإصلاح إلى تهمة.
في واقع الجالية، نلاحظ أن بعض الأصوات ترتفع بالنقد والتشكيك، رغم أنها لم تحضر اجتماعًا، ولم تشارك في جلسة نقاش، ولم تطّلع على ما جرى من وقائع أو ما طُرح من أفكار. ومع ذلك، تُطلق الأحكام وكأنها كانت حاضرة في كل تفصيل. هذا السلوك لا يخدم الجالية، بل يربكها ويعمّق الانقسام داخلها.
وليس هذا السلوك جديدًا على مجتمعاتنا، فالتاريخ القريب يحمل دروسًا قاسية.
فعندما سُئل قاتل الرئيس أنور السادات: لماذا قتلته؟
قال: لأنه علماني.
وحين سُئل عن معنى العلمانية، أجاب: لا أعرف.
وعندما سُئل من حاول اغتيال الأديب نجيب محفوظ عن سبب فعلته، قال: لأنه يكتب ما يفسد الأطفال، ثم اعترف بأنه لم يقرأ له كتابًا واحدًا.
أما المفكر فرج فودة، فقد قُتل لأن قاتله اعتقد أنه كافر، دون أن يقرأ له، بل وهو يصرّح بأنه أميّ.
هذه الأمثلة ليست للتاريخ فقط، بل هي مرآة لما يحدث حين يُمنح الجهل مساحة كبيره ،وحين تُستبدل المعرفة بالشعارات.
ومن المؤسف أن بعض من يهاجمون اليوم كل محاولة لإصلاح أو توحيد كلمة الجالية، هم أبعد الناس عنها. لا يشاركون في العمل التطوعي، ولا يتحمّلون أي مسؤولية، لكنهم يظهرون عند الخلاف، ويغيبون عند العمل. يُحسنون النقد، لكنهم لا يُتقنون الفعل.
إن من يسعون إلى لمّ الشمل وتوحيد الصف لا يدّعون الكمال، وقد يخطئون، لكن الخطأ يُعالَج بالحوار، لا بالتشويه، وبالمشاركة لا بالمقاطعة. فالجالية لا تُبنى بالصوت الأعلى، بل بالعمل الأصدق.
المشكلة ليست في اختلاف الآراء داخل الجالية، بل في غياب ثقافة الحوار، وفي استسهال إطلاق الأحكام دون معرفة. الجالية القوية هي التي تسمح بالنقد المسؤول، وتحتضن التنوع، وتُقدّم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية.
رسالتي إلى أبناء الجالية واضحة:
إن كنتم حريصين على هذا المجتمع، فشاركوا، واحضروا، واستمعوا قبل أن تحكموا. فالكلمة التي لا تستند إلى معرفة قد تُفرّق أكثر مما تُصلح.
الخطر الحقيقي ليس في الأفكار، بل في الجهل الذي يحملها ويحوّلها إلى انقسام وعداء.
أما الوعي، فهو الطريق الوحيد لبناء جالية متماسكة، قادرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أفضل لأبنائها.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...