النمسا وسياسة الهروب إلى الأمام
د. تمام كيلاني
النمسا وسياسة الهروب إلى الأمام!!
د. تمام كيلاني*
في الوقت الذي تعاني فيه النمسا من أزمات اقتصادية متراكمة، من ارتفاع معدلات البطالة، وإفلاس عدد متزايد من الشركات، وغلاء المعيشة الذي يثقل كاهل شريحة واسعة من النمساويين، تختار الحكومة أن تجعل سياسة الترحيل وتشديد اللجوء عنوانًا رئيسيًا لمرحلتها الراهنة، وكأن المشكلة الاقتصادية يمكن حلّها بإبعاد اللاجئين.
المفارقة الصارخة أن الاقتصاد النمساوي يعاني في الوقت نفسه من نقص حاد في اليد العاملة، لا سيما في قطاعات حيوية مثل السياحة، البناء، النظافة العامة، صيانة الطرقات، إضافة إلى نقص خطير في الأطباء والعاملين في القطاع الصحي. هذه قطاعات لا يمكن للاقتصاد الاستغناء عنها، ولا يمكن سدّ احتياجاتها دون قوى عاملة وافدة ومؤهلة.
بدل أن تضع الحكومة سياسات عقلانية تستثمر في اندماج اللاجئين وتأهيلهم لسوق العمل، نراها تتجه إلى إجراءات ذات طابع سياسي وشعبوي، تُستخدم لتصدير الأزمات الداخلية وتحميل فئات ضعيفة مسؤولية مشاكل هي في جوهرها اقتصادية وإدارية وهيكلية.
إن ربط أزمات النمسا الاقتصادية باللاجئين، ولا سيما السوريين، هو تبسيط مخلّ ومضلل. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في وجودهم، بل في غياب رؤية شاملة لإدارة سوق العمل، ودعم الإنتاج، وحماية الفئات المتضررة من الغلاء والتضخم.
سياسة الهجرة ليست ملفًا أمنيًا فقط، بل هي أداة اقتصادية واجتماعية إن أُحسن استخدامها. أما تحويلها إلى شماعة تُعلّق عليها إخفاقات الحكومات، فلن يحل أزمة، بل سيعمّق الانقسام ويؤجل الحلول الحقيقية التي يحتاجها المجتمع النمساوي اليوم قبل الغد.