حين يمتلك السياسي السلطة ولا يمتلك ثقافة الحكم!
حين يمتلك السياسي السلطة ولا يمتلك ثقافة الحكم!
ماجدة شريف*
ليست أخطر مشكلة تواجه السياسي حين يصل إلى السلطة أن يكون قليل الخبرة، أو أن يخطئ في تقدير موقف، أو أن يفتقر إلى الإحاطة الكافية بتفاصيل إدارة الدولة؛ فالأخطر من ذلك كله أن يصل إليها وهو لا يدرك ثقافة السلطة ولا يفهم طبيعتها وحدودها ومسؤولياتها.
فالسلطة ليست مجرد منصب رفيع، ولا مكتب فخم، ولا مواكب رسمية، ولا حاشية تتسع كلما ارتفع المسؤول في سلّم الحكم. السلطة، في جوهرها، ثقافة متكاملة لها قواعدها ولغتها وأخلاقياتها وآلياتها، ولها أيضاً أثمانها ومسؤولياتها.
ومن لا يفهم هذه الثقافة قد يمتلك أدوات الحكم، لكنه يظل عاجزاً عن ممارسة الحكم ممارسة رشيدة.
كثير من السياسيين يمضون سنوات طويلة في المعارضة، فيتقنون الحديث عن السلطة أكثر مما يتعلمون كيفية ممارستها. يجيدون نقد القرارات، لكنهم لا يعرفون دائماً كيف تُصنع القرارات داخل مؤسسات الدولة. ويبرعون في تشخيص أخطاء الحكومات، لكنهم لا يدركون أن اتخاذ القرار من داخل الدولة يختلف اختلافاً جذرياً عن مراقبته من خارجها.
في المعارضة، يستطيع السياسي أن يسأل: لماذا لم تفعلوا؟
أما حين يصبح في موقع المسؤولية، فإن السؤال يتغير إلى: ماذا سيحدث إذا فعلنا؟ وماذا سيحدث إذا لم نفعل؟ ومن سيتحمل نتائج الخيارين؟
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
السلطة ليست انتصاراً
من أكبر الأوهام التي يقع فيها بعض السياسيين أنهم ينظرون إلى الوصول إلى السلطة باعتباره نهاية المعركة، بينما الحقيقة أن الوصول إليها هو بداية الامتحان الأصعب.
قبل الوصول إلى الحكم، يكون السياسي معنياً بإقناع الناس بأنه جدير بالسلطة. أما بعد الوصول إليها، فيصبح معنياً بإقناع الدولة بأن قراراته قادرة على حماية استقرارها واستمراريتها.
وهذا فارق جوهري.
فالسلطة لا تمنح صاحبها الحق في أن يفعل كل ما يريد، بل تجعله مسؤولاً عن نتائج ما يُتخذ من قرارات، حتى عندما لا يكون هو وحده صانعها.
ولهذا فإن السياسي الذي يدخل الحكم بعقلية المنتصر قد يتحول سريعاً إلى أسير لهذه العقلية؛ فيرى كل اعتراض مؤامرة، وكل نقد عداءً، وكل مؤسسة مستقلة عائقاً، وكل اختلاف تمرداً.
وعندها يبدأ جهل ثقافة السلطة في إنتاج أخطر نتائجه: يصبح الحاكم أكثر انشغالاً بحماية صورته من حماية الدولة.
منطق الدولة يختلف عن منطق الخطابة
ليس كل سياسي ناجح في الانتخابات قادراً بالضرورة على النجاح في إدارة الدولة.
فالانتخابات تكافئ القدرة على تبسيط الرسائل وإقناع الجمهور، بينما الحكم يفرض التعامل مع التعقيد وتعدد المصالح وتشابك الملفات.
في الحملات الانتخابية، تبدو الوعود واضحة ومباشرة؛ أما في إدارة الدولة، فكل وعد يحتاج إلى موارد، وكل قرار يحتاج إلى مؤسسات، وكل سياسة تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها.
السياسي الذي لا يدرك هذا الفرق قد يحاول إدارة الدولة كما لو أنها حملة انتخابية مستمرة.
تكثر الخطب والبيانات والمؤتمرات، بينما تتراجع القدرة على اتخاذ القرارات الهادئة والمدروسة. تصبح كل خطوة بحاجة إلى إعلان، وكل إنجاز بحاجة إلى احتفال، وكل أزمة بحاجة إلى خطاب.
لكن الدول لا تُدار بالخطابات وحدها.
إنما تُدار بالمعرفة، والخبرة، والمؤسسات، والانضباط، والتخطيط، والقدرة على اتخاذ قرارات قد لا تحظى بالتصفيق اليوم، لكنها قد تكون ضرورية لحماية المستقبل.
أخطر أنواع الجهل أن يجهل الإنسان جهله
ليس مطلوباً من السياسي أن يعرف كل شيء؛ فهذه مهمة يستحيل تحقيقها.
لكن المشكلة تبدأ حين يعتقد أنه يعرف كل شيء.
فالقرارات المتعلقة بالاقتصاد والأمن والتعليم والعلاقات الدولية وغيرها من شؤون الدولة لا ينبغي أن تُبنى على الانطباعات الشخصية وحدها، وإنما على المعرفة المتخصصة، والخبرة المتراكمة، والمعلومات الدقيقة، والنقاش المؤسسي.
السياسي الذي يحيط نفسه بمن يقولون له دائماً: "نعم"، لا يبني سلطة قوية، وإنما يبني حول نفسه غرفة صدى لا يسمع فيها إلا صوته.
وفي هذه الغرفة تختفي الحقائق تدريجياً.
يصل إلى المسؤول ما يحب سماعه، لا ما يحتاج إلى سماعه. وحين تظهر الحقيقة، تكون في كثير من الأحيان أكثر كلفة وصعوبة في المعالجة.
ولهذا فإن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفاً سياسياً، بل قد يكون أحد مظاهر الحكمة.
ثقافة السلطة تبدأ من فهم حدودها
السلطة الرشيدة تدرك أنها محدودة.
تعرف أن القانون أعلى من رغبة المسؤول، وأن المؤسسة أهم من الفرد، وأن الدولة ليست ملكاً لمن يشغل منصباً عاماً، مهما علا شأنه.
أما السلطة التي تجهل ثقافتها، فإنها تبدأ بخلط الدولة بالحكومة، والحكومة بالحزب، والحزب بالأشخاص، حتى يصبح الشخص في نهاية المطاف هو الدولة في نظر نفسه.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
فعندما تختفي الحدود بين الحاكم والمؤسسة، يصبح تغيير المسؤول وكأنه تهديد للمؤسسة، ويصبح نقد القرار إهانة للحاكم، ويصبح انتقال السلطة وكأنه سقوط للدولة.
لكن الدولة التي تعتمد على شخص واحد ليست دولة قوية، مهما بدا صاحب السلطة قوياً.
القوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على الاستمرار عندما يرحل السياسي، لا في قدرتها على البقاء مرهونة ببقائه.
السلطة تحتاج إلى ذاكرة
من لا يفهم ثقافة الحكم قد يتصرف وكأن كل شيء يبدأ معه.
يصل إلى السلطة فيتعامل مع الدولة وكأنه اكتشفها للمرة الأولى، فيسعى إلى إعادة تشكيل المؤسسات، وإلغاء السياسات السابقة، وإطلاق مشروع جديد لكل مشكلة.
لكن الدول لا تبدأ مع كل حكومة.
الدولة ذاكرة متراكمة من القوانين والتجارب والنجاحات والإخفاقات والخبرات. وقد تكون بعض السياسات التي تبدو بطيئة أو معقدة وليدة دروس قاسية دفعت الدولة ثمناً باهظاً حتى تتعلمها.
السياسي الحكيم لا يسأل فقط:
ماذا أريد أن أغيّر؟
بل يسأل أولاً:
لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه؟
فقد يكتشف أن المشكلة ليست في وجود المؤسسة، وإنما في طريقة عملها، وأن الحل لا يكمن في هدمها، بل في إصلاحها وتطويرها.
أخطر ما يفعله السياسي الذي يجهل ثقافة السلطة
أن يعتقد أن الخوف ولاء.
فعندما يبدأ المسؤول في قياس نجاحه بعدد الذين يخشونه، يكون قد فقد القدرة على معرفة عدد الذين يثقون به.
الخوف قد يصنع الصمت، لكنه لا يصنع الكفاءة.
والموظف الذي يخشى الخطأ قد يتوقف عن المبادرة، والمسؤول الذي يخشى نقل الحقيقة قد يخفي المشكلة، والمستشار الذي يخشى مخالفة رأي الحاكم قد يقدم له إجابات مريحة، حتى وإن كانت خاطئة.
وهكذا قد يبدو النظام قوياً من الخارج، بينما تتآكل قدرته على رؤية نفسه من الداخل.
إنها إحدى مفارقات السلطة الكبرى: كلما خاف الناس من قول الحقيقة للحاكم، أصبح الحاكم أقل قدرة على معرفة حقيقة حكمه.
من يفهم السلطة لا يتعامل معها كامتياز
ربما تكون هذه هي المفارقة الأهم.
فالسياسي الذي يفهم السلطة حقاً لا ينظر إليها بوصفها امتيازاً شخصياً، وإنما يراها مسؤولية مؤقتة.
يدرك أن المنصب عابر، وأن القرارات باقية، وأن التصفيق ينتهي، بينما قد تستمر آثار القرار سنوات أو عقوداً.
لذلك لا يقيس السياسي الناضج قوته بعدد الصور التي يظهر فيها، ولا بعدد الأشخاص الذين يحيطون به، ولا بحجم الاحتفاء الرسمي به.
بل يقيسها بسؤال أكثر قسوة وصدقاً:
هل أصبحت الدولة أقوى مني، أم أصبحت أضعف بسببي؟
هذا السؤال وحده قادر على التمييز بين من يستخدم السلطة، ومن تفهمه السلطة.
فالسياسي الذي لا يعرف ثقافة السلطة قد ينجح في الوصول إليها، وقد يبقى فيها سنوات، وقد يحيط نفسه بكل مظاهر القوة، لكنه سيظل عاجزاً عن إدراك الحقيقة الأهم:
السلطة ليست القدرة على أن يفعل المرء ما يشاء، وإنما القدرة على أن يعرف ما الذي ينبغي ألا يفعله، ومتى، ولماذا، ولصالح من.
وهنا تحديداً تبدأ ثقافة الحكم.
لا عند أبواب القصور، ولا أمام عدسات الكاميرات، ولا في صناديق الاقتراع، بل في اللحظة التي يدرك فيها السياسي أن المنصب لم يجعله أكبر من الدولة، وإنما جعله أكثر مسؤولية أمامها.
كلمات البحث
إقرأ أيضًا
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
الاكثر شهرة
دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني
دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني* حوار في الحرية... وشها...
داخل البرزخ!!
داخل البرزخ!! روعة سنوبر كنتُ دائماً جزئي الذي لا يمكنني امتلاكه.. جزئي البعيد عني أع...
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا
من ثورة الثامن من آذار إلى الحركة التصحيحية في سوريا سياقات التحول وصراع السلطة د. تمام كيلاني*...
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...