الأرض والسيرورة الفلسطينية!! عمر سعيد

الأرض والسيرورة الفلسطينية!!  عمر سعيد

الأرض والسيرورة الفلسطينية!!

 

عمر سعيد*

 

 

 

 كثيرٌ من القرى اختفت من الخرائط وبقيت في الذاكرة، فالزمن لم يكن يسير إلى الأمام، كان يعود كل مساء إلى بابٍ مغلق، وإلى مفتاحٍ صغير يلمع في يد امرأة لم تتعب من الانتظار، منذ لم يعد الوقت زمناً عادياً ؛ صار كائناً مراوغاً، يتشظّى، ثم يجتمع في الحكايات.

كانوا يظنون أنهم خرجوا لأيام، لكن الأيام خانتهم، تحولت إلى سنوات، ثم إلى شيء آخر: إلى أصواتٍ تُروى عند الغروب، وأسماء تُهمس قبل النوم. 

لم تختفِ القرية تماماً؛ لقد غيّرت مكانها فقط. سكنت في القلوب، والذاكرة، والكلمات التي تُقال بحذر كأنها تخشى أن تُمحى إن رُفعت أكثر من اللازم.

المفتاح، الذي احتفظت به المرأة، لم يصدأ؛ كان يكبر،. يثقل، كأنه يحمل بيتاً كاملاً في جوفه المعدني. 

كانت تقول إن له ذاكرة، وإنه يعرف الطريق أفضل منها... وأحياناً، كانت تضعه قرب الباب، وتنتظر أن يتحرك وحده... لم يتحرك المفتاح، لكن أحداً لم يشكّ أنه قادر.

في المخيمات، تتجاور الحكايات كما تتجاور الخيام والبيوت المتعبة والازقة الضيقة، هنا يكتشف الناس أن البيوت ليست مجرد جدران كي تبقى.. 

لقد كانت تعود كلما رُويت.

 كلما قال أحدهم: “كان هناك…”... تبدو القرية وكأنها تنهض للحظة، واضحة، كاملة، بزيتونها وطريقها الترابي ورائحة خبزها وازهارها. ثم تختفي سريعاً، كأنها لا تحتمل البقاء طويلاً خارج الحلم.

 

لم يكن ذلك حنيناً فقط. كان نظام حياة. 

كانوا يطبخون كما في الماضي، يغنون كما لو أن الطريق ما زال مفتوحاً، ويعطون أبناءهم أسماء القرى كي لا تموت مرتين.

 كانوا يعيشون في مكانين في آن واحد: هنا، حيث هم؛ وهناك، حيث لم يعودوا.

الغريب أن الحزن لم يسحقهم كما توقع الآخرون. كانوا يحملونه بخفة غامضة، كأنهم تعلّموا كيف يجعلونه قابلًا للعيش؛ تعلّموا لغات جديدة، سكنوا مدنًا بعيدة، لكنهم تركوا دائماً مقعداً فارغا لذاكرة لا تصل.

 

السيرورة الفلسطينية لم تكن فكرة، لقد صارت عادةً يومية في مقاومة النسيان. 

كانت شيئاً يحدث بهدوء... 

مثل نموّ شجرة في مكان لا يراه أحد. 

لم تكن تُعلن عن نفسها، لقد كانت موجودة في كل شيء: في المفتاح، في الحكاية، في الأغنية، في الخبز الذي يُخبز بالطريقة نفسها منذ زمن لا يتذكره أحد. 

وكانت وحدها، الطريقة التي ينجو بها البيت من الغياب، والطريق من الانقطاع، والاسم من الضياع.

إنها الاسم الذي نكرره كي لا يضيع، محاولة مستمرة لنقول إننا لم نختفِ، وإننا لن نختفي بسهولة.

هنا في المخيم، الناس، بطريقة لا يمكن تفسيرها بسهولة، وجدوا طريقة أخرى للعودة.

ربما لم يعد الباب موجوداً،،، 

وربما المفتاح لم يعد يفتح شيئاً في العالم المرئي. لكن في كل مرة يُرفع فيها، في كل مرة تُروى فيها الحكاية، يحدث شيء صغير، غير مرئي، لكنه حاسم.. 

تعود الأرض ويرجع البيت، وتعود القرية.

فالبيت،  هو أن تعرف أنك، مهما ابتعدت، ما زلت تستطيع أن تعود. 

ولو في الكلمات.

حتى الآن، الفلسطينيون يجيبون بطريقتهم: القصة لم تنتهِ. وربما لن تنتهي أبداً.

 

 

* كاتب وقاص فلسطيني.

الأرض والسيرورة الفلسطينية!!  عمر سعيد


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

تابعونا


جارٍ التحميل...