العطاء والإنسانية في زمن التحديات

العطاء والإنسانية في زمن التحديات
د. تمام كيلاني

 

العطاء والإنسانية في زمن التحديات
رسالة أمل وإنسانيه

د. تمام كيلاني*

في حياة كل إنسان، تأتي لحظات توقف فيها للحظة واحدة للتفكر، لحظات يتساءل فيها عن معنى الجهد الذي يبذله، وعن أثر ما يقوم به من أعمال خيرية وإنسانية. لقد استوقفني أحد الإخوة ذات يوم، وقال لي بكلمات صادقة لكنها قوية:

“مالك تحرق نفسك من أجل المشاريع الإنسانية والطبية، والمستوصفات، والمدارس، والجوامع في سوريا؟ دع الأمور تسير كما هي، فأنت وحدك لن تستطيع مقاومة التيار، ولن تتمكن من إعادة إعمار سوريا التي تهدمت. اذهب واستمتع بحياتك، فالحياة قصيرة، وسوف تندم على كثير من الأوقات التي أضعتها. إنك يا صديقي تحرق أعصابك، ومثلك مثل من أشعل نارًا لرجل أعمى.”

تلك الكلمات أثارتني للتأمل، وأجبرتني على مواجهة الحقيقة: نعم، حجم التحديات كبير، وقد تبدو جهود الفرد صغيرة أمامها، والطريق طويل ووعر. لكن العطاء لا يُقاس بالنتيجة وحدها، بل بالنية، وبالإصرار على محاولة إحداث فرق، ولو بخطوة صغيرة، في حياة من يحتاجون إلى الدعم والأمل.

تخيّلوا النفس البشرية المعطاءة مثل القلم والممحاة:
الممحاة تمحو الأخطاء ومع كل مسح يقصر طولها، والقلم يكتب ما هو مفيد ومع كل كتابة يقصر طوله. هكذا هي النفوس الطيبة: كل يوم ينقص عمرها، ومع انتهاء كل عام يمضي جزء من حياتها، لكنها تستمر في العطاء، تبث السعادة، وتزرع الأمل في قلوب المحتاجين. تمحو الأحزان، وتنشر التفاؤل، وتؤمن بأن القادم أجمل بإذن الله.

قد يظن البعض أن التضحية والعطاء بلا مقابل هو هدر للوقت، وأن الحياة قصيرة لتقضيها في خدمة الآخرين، لكن الحقيقة أعمق بكثير: العطاء هو ما يعطي الحياة معناها، وهو الشعور بالرضا الداخلي، والإحساس بأنك تركت أثرًا، ولو صغيرًا، في عالم مليء بالتحديات والآلام.

كل مستوصف تم ترميمه، وكل مدرسة أعدت لتستقبل الأطفال، وكل جهد انساني بذلناه في سبيل تخفيف الألم، هو شعاع نور في ظلام اليأس، وبذرة أمل ستنمو في قلوب أولئك الذين استفادوا من جهودنا. قد لا نرى نتائج أعمالنا كاملة، وربما لا نلمس أثرها فورًا، لكن القلوب التي لمسناها، والابتسامات التي زرعناها، هي الجائزة الحقيقية التي لا تُقدر بثمن.

إن العطاء الإنساني، مهما كانت قدرته محدودة أمام حجم الدمار والتحديات، هو رسالة أمل، وهو تأكيد على أن روح الإنسان تستطيع أن تصنع فرقًا. قد لا نعيد بناء كل ما تهدم، وقد لا نستطيع إصلاح كل شيء، لكن جهودنا تحمل رسالة أكبر: أننا لم نغفل عن الآخرين، وأن الإنسانية لا تموت طالما هناك من يسعى للخير.

فلنستمر في العطاء، ولنصنع فرقًا في حياة من حولنا، مهما كان صغيرًا، فالنفس البشرية، مثل القلم والممحاة، مهما قل طولها أو قصر عمرها، تزداد قيمة بما تقدمه من خير للآخرين. وفي هذا العطاء نجد معنى أعمق للحياة، وسعادة لا تُقاس بالمال أو بالمنصب، بل بما تركناه من أثر في حياة البشر الذين يحتاجون إلى الأمل، إلى البسمة، إلى حياة أفضل.

إن القادم أجمل بإذن الله، وما نزرعه اليوم من جهود طيبة سيظل أثره حيًا في قلوب الآخرين، يذكّرهم بأن الخير لا يزال موجودًا، وأن الإنسانية، رغم كل الصعاب، باقية بفضل الذين لم يتخلوا عن رسالتهم، ولم يتوقفوا عن
العطاء.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026
الثقافة والأدب

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية
الثقافة والأدب

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...