العيد الرقمي والباب المغلق!!

العيد الرقمي والباب المغلق!!

العيد الرقمي والباب المغلق!!

 

عمر سعيد*

 

العيد الرقمي والباب المغلق

 

خلال هذا العيد ، تحدثتُ مع سيدة تجاوزت الستين من عمرها، حين سألتها عن ذكراها المفضلة في أعياد طفولتها، فأغمضت عينيها قليلاً ثم قالت بهدوء: "كنا نفتحُ باب منزل العائلة في الصباح ولا نغلقهُ حتى آخر الليل" .

جملةٌ واحدة، حملت في طيّاتها حضارةً اجتماعية بأكملها، حضارة القلب المفتوح والجسد الحاضر وفنجان القهوة الذي لا يبرد.

اليوم، الباب مغلق، والهاتف مفتوح.

هناك لحظة صغيرة تختصر تحوّلاً كبيراً :

في صباح العيد، لا يُطرق بابُ البيت… بل يهتزّ الهاتف المحمول.

لم يعد العيد مساحة لقاء بقدر ما أصبح مساحة إشعارات؛ هذا التحول الذي يتعلق بالتكنولوجيا بحد ذاتها، وبكيفية إعادة تشكيلها لمعنى العلاقة الإنسانية، خاصة في مجتمعات عاشت /مثل فلسطين وسوريا/ تحولاتٍ قاسية بين القرب القسريّ والبُعد القاسي والتهجير والهجرة.

والأخطر من ذلك أن هذا الطقس الأجوف بات مقبولاً ، فقد اخترعت لنا التقنية عذراً ذهبياً: الكل مشغول، والمسافات بعيدة، والحياة صعبة. وهذا صحيح جزئياً، فثمة من يقيم بعيداً عن عائلته بحواجز حقيقية من تكاليف وظروف لا يملك تجاوزها، ولهؤلاء تحوّلت شاشة الهاتف إلى نافذة رحمة حقيقية تُبقي الدفء حياً رغم المسافة، لكن ماذا عمّن يسكن في الحي ذاته ولا يزوره احد؟ ماذا عمّن يفصله عن والديه عشر دقائق بالسيارة ويكتفي بملصق "عيد مبارك"!.

في الماضي القريب، كان العيد طقساً حياً ، باهياً وصخّاباً: بيوت مفتوحة وقلوب نابضة، زيارات متتابعة، وأحاديث تمتد بلا استعجال.

كان العيد يُقاس بقدرتك على الوصول إلى الآخرين ورؤيتهم ومخالطتهم ، وعلى مشاركة لحظة زمنية كاملة ومتواصلة معهم، لكن اليوم، تغيّر المقياس:

كم رسالة أرسلت؟ كم اتصالاً أجريت؟ كم إشعاراً استقبلت؟!

هنا حدث الانزلاقُ الهادئ : من “تجربة مشتركة” إلى “تواصل سريع”.

الرسائل مثالٌ واضح على هذا التحوّل؛ بين رسالة تُكتب خصيصاً لك بكلماتها ومشاعرها، وأخرى تُنسخ او تكون مجرد صورة، تُرسل إلى الجميع، الفرق يتوضح ويُقاس بالكلمات، و بالنيات ماظهر منها وما استُبطن.

الرسالةالأولى تُعيد تعريف العلاقة وتحدّدها وتجددها وتحافظ على استمراريتها وتجسيدها، والثانية تكتفي بالحفاظ على شكلها الناشف ، ومن بعيد لبعيد.

الحضور الإنساني هو فعل وجودٍ كامل:

رائحة العطر، الاحتضان الكامل، ضحكةٌ ارتجلها أحدهم فملأت الغرفة، نظرةٌ تتقاطع فوق فنجان قهوة ولا تحتاج كلاماً. هذه الأشياء لا ترسَل عبر واتساب او فيسبوك.

ومع الوقت، تتراكم الرسائل الجاهزة حتى تفقد معناها، وتتحول إلى " ضجيج رقمي " لا يترك أثراً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الرسائل، رغم برودتها، تمنع الانقطاع الكامل، وتُبقي خيطاً رفيعاً من التواصل قائماً ، ولو على مضض.

 

الأمر نفسه ينطبق على الصور ومقاطع الصوت ومقاطع الفيديو المرئية؛ الوفرة البصرية التي نعيشها اليوم لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى.

صورة عامة تُرسل للجميع ، او " معاد توجيهها " لن تصنع ذاكرة، إنها تأسست للابتعاد والتباعد و القطيعة في الزمان والمكان ، بينما صورة حقيقية من بيت العائلة ستختصر عالماً من المشاعر.

الفرق في الوسائط والوسيط، و في الصدق الذي يحمله.

أما إعادة التوجيه، فهي التعبير الأكثر وضوحاً ورسوخاً عن “اقتصاد المشاعر” ، إنّها حلٌّ سريع، لكنها تحمل رسالة ضمنية: “لم أجد وقتاً أخصصه ' لك ' لأكتب لك”.

في ظروف معقدة كالتي يعيشها كثير من السوريين والفلسطينيين /من غربة، وضغط اقتصادي، وتشتتت عائلي/ قد تكون هذه الممارسة مفهومة، بل مبررة أحياناً، لكنها، مع التكرار، تساهم في تآكل الإحساس بالتفرد داخل العلاقة.

في المقابل، تبقى المكالمات الصوتية والمرئية محاولة جادة لاستعادة شيء من الإنسانية المفقودة، وإعادة التأكيد على التواصل؛ صوتٌ يحمل نبرةَ الشوق، وصورةٌ تكشف دمعة أو ابتسامة، كلها تعيد جزء من الحضور، لكنها تبقى “تعويضاً " ، وليس “بديلاً " ، لأنّ التكنولوجيا الرقمية قادرة على نقل الصوت والصورة، لكنها عاجزة عن نقل اللمس، وعن خلق تلك الطاقة الخفية التي تولد فقط من اللقاء المباشر.

وهنا تظهر المفارقة:

التكنولوجيا أنقذت العلاقات من الانقطاع، لكنها للأسف ، لم تستطع الحفاظ على دفئها الكامل، و هي جسر ضروري، خاصة في زمن النزوح والاغتراب، لكنها تصبح مشكلة حين تتحول من وسيلة إلى بديل دائم.

مايقتل اكثر ، الفئة الأخيرة، الفئة أكثر صمتًا وقسوةً: أولئك الذين لا يهنئون أصلاً. لا رسالة، لا اتصال، لا حتى "إعادة توجيه رسالة " عابرة حتى ولو كانت رسالة فارغة .

هؤلاء، ومنهم "قسوة القلوب" ، كأن العيد يمرّ خارجهم، أو كأنهم قرروا الانسحاب من طقوسه.

قد يكون في الأمر قسوة، أو تعب او عتب داخلي، أو برود متراكم، الفكري تجاهل متعمد ، لكن النتيجة واحدة: فراغ يُترك في العلاقات، وأسئلة معلّقة في قلوب الآخرين. فالصمت، في الأعياد، ليس حياداً… الصمت هنا موقف.

لا يكمن التحدي في التكنولوجيا، بل في ترتيبها داخل حياتنا؛ أن نعيد للزيارة مكانتها، وللمكالمة معناها، وللكلمة صدقها: فالعيد، مهما تغيّرت وسائله، يظل اختباراً بسيطاً: هل نحن حاضرون بشكلٍ حقيقي في حياة من نحب؟، أم مجرد أسماء تمرّ في قائمة الإرسال ، وعلى حافة الانتظار؟!

الأعياد في جوهرها احتفال باختيار بعضنا ، والتواصل الحيّ العائلية والإنساني مع بعضنا ، وهذا الاختيار لن يظهر في ضغطة زر على هاتف جوال، مهما كانت النية حسنة.

نعم ... اختيارنا يظهر تماماً في خطوةٍ باتجاه الباب ، باب القلب، والخروج منه نحو من نحب.

 

 * مراسل فن ومدن.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...