المنفى كعادة وتعوّد ..!! عمر سعيد

المنفى كعادة وتعوّد ..!! عمر سعيد

المنفى كعادة وتعوّد ..!!

 

عمر سعيد*

 

لنعترف ، أنّ هناك مفارقة غريبة في حياة الجيل الثاني من أبناء اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في أوروبا: لقد خرجوا من مخيمات صنعتها النكبة كجغرافيا مؤقتة ، ليجدوا أنفسهم داخل جغرافيا جديدة، لكن هل بقي المخيم معهم؟!

ليس المخيم هذه المرة شارعاً ضيقاً أو سقفاً منخفضاً أو بطاقة لاجئ، المخيم مايزال موجوداً في الرأس.

وهذه ربما هي المشكلة الأكثر تعقيداً التي تواجه هذا الجيل: كيف تحملُ فلسطين في قلبك من دون أن تتأخر في بناء حياتك؟ وكيف تنتمي إلى أوروبا من دون أن تشعر بأنك تخون تاريخ عائلتك؟ وكيف تكون ابن سوريا أو فلسطين ، دون أن تتحول سوريا إلى سجن للحنين ، وفلسطين إلى سردية غير منتهية؟

هذه ليست أسئلة فلسطينية/سورية فقط؛ إنها أسئلة ممتدة لجيل كامل وُلِد في مكان، وحمل ذاكرة مكانٍ آخر، ثم وجد نفسَه يعيش في مكان ثالث!

الفلسطينيون يملكون نسخة أكثر تعقيداً من هذه المعادلة؛ فالجيل الأول حمل فلسطين باعتبارها قضية، وحمل سوريا باعتبارها وطناً مؤقتاً أو ملاذاً للاجئين، ثم حمل أبناءه إلى أوروبا باعتبارها فرصةً للنجاة والحياة. 

أما الجيل الثاني، فقد ورث الملفات الثلاثة دفعة واحدة ، وهنا تبدأ المشكلة.

أبناء ثلاث خرائط :

الجيل الفلسطيني الثاني في أوروبا، يعيش بين ثلاث خرائط: 

خريطة "فلسطين" التي لم يرها معظمهم، وخريطة "سوريا" التي عرفوها من خلال الأسرة والمخيم والمدرسة والذاكرة، وخريطة "أوروبا" التي يعيشون فيها فعلياً ويذهبون إلى مدارسها وجامعاتها وأسواق عملها.

أي خريطة هي الصحيحة؟ إلى أين ينتمي هذا الجيل؟ وهل يستطيع الفلسطيني أن يعيش بثلاث خرائط من دون أن يتنازعه "تشظّي الهويات " في داخله؟

الهوية في حد ذاتها ليست مشكلة؛ بالعكس، يمكن أن تكون مصدرَ قوة هائلة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية من إجابة عن سؤال "من أنا؟" إلى إعفاءٍ دائم من سؤال "ماذا سأفعل؟".

لنعترف أكثر ... 

من السهل القول: أنا فلسطيني.

لكن الأصعب أن تسأل: ماذا ولّدت فلسطين في شخصيتي؟

ومن السهل أن تقول: أنا ابن لاجئين، ترك لنا جدي مفتاحاً كبيراً وقديماً.

والأصعب : ماذا سأفعل بالإرث الذي تركه لي اللجوء؟ وهل أملك مفتاحاً لحياتي الحالية؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من فلسطين، ولا من حق العودة، ولا من الذاكرة، ولا الذكريات ، إنها ببساطة تنقل القضية من عالم الشعارات إلى عالم الواقع والمسؤولية.

المشكلة ليست في الذاكرة:

هناك خطأ يجب تجنّبه هنا: تحويل نقد بعض أنماط التفكير إلى نقد للهوية الفلسطينية نفسها.

الذاكرة قد لاتكون عدواً للاندماج ، بل ربما تكون إحدى الوسائل التي تمنح الإنسان القدرة على فهم نفسه في عالم الخوارزميات سريع التغير.

 الذاكرة تصبح عبئاً عندما تتحول إلى بديل عن المستقبل.

يمكن للإنسان أن يحبّ فلسطين وأن يتعلم الألمانية او السويدية، ويمكنهُ أن يحتفظ بمفتاح بيت جده وأن يصبح مهندساً أو طبيباً أو مبرمجاً ، ويمكنهُ أن يشاركَ في الحياة الأوروبية وأن يدافعَ في الوقت نفسه عن مدن فلسطين وقراها، وعن ذاكرته ومفتاح بيت جده.

المشكلة ليست في الجمع بين الأشياء، البعض يعتقد أن الجمعَ بينها مستحيل.

فبعض الأفكار و الرؤى لا تزال تتعامل مع الاندماج كما لو أنه نوع من الخيانة، وكأنّ تعلّمَ لغة البلد الجديد تنازل عن اللغة القديمة، وكأن النجاح المهني في أوروبا يعني نهاية القضية الفلسطينية.

وهذا منطقٌ خطير؛ القضية لاتحتاج إلى فشل أبنائها كي تبقى حية، انها تحتاج اليهم أقوياء بما يكفي لتبقى الذاكرة والسردية حاضرة وممتدة .

الآباء أيضاً يحتاجون إلى مراجعة :

لكن من الظلم أن نضع كل المسؤولية على الجيل الثاني ؛ الآباء جزءٌ أساسي من القصة ، لقد عاش كثيرٌ من أبناء الجيل الأول في ظروف جعلت المحافظة على الهوية معركة بقاء. 

بالنسبة إليهم، كانت الذاكرة سلاحاً ضد النسيان، وكانت الحكاية العائلية وسيلة للحفاظ على شيء يخشون أن يضيع ، ولهذا ربوا أبناءهم على فلسطين. وهذا مهم.

لكن ما كان ضرورياً لجيل قد يصبح غير كافٍ لجيل آخر؛ فالابن الذي ولد في ألمانيا أو هولندا أو السويد لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أين كانت قرية جده في فلسطين ، هذا الابن يحتاج أيضاً أن يعرف كيف يكتب سيرته الذاتية، وكيف يدخل الجامعة، وكيف يتعامل مع سوق العمل، وكيف يبني شبكة اجتماعية، وكيف يفهم ويحترم قوانين الدولة التي يعيش فيها.

هنا يجب أن تتغير وظيفة الأسرة، فهي ليست مجرد مستودع للذاكرة؛ 

يجب أن تصبح أيضاً ورشة للمستقبل ، فالأب الذي يقول لابنه "لا تنسَ فلسطين" يؤدي نصف مهمته فقط.

النصف الآخر هو أن يقول له: "تعلم، اعمل، ابنِ، كن مستقلاً، وكن أفضل مني، لكن لاتفقد ذاكرتك ،ولا بوصلتك."

هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعل تضحيات الآباء ذات معنى وجدوى.

أوروبا كملاذٍ للهاربين:

وهناك خطأ آخر يرتكبه بعض أبناء الجيل الثاني: النظر إلى أوروبا باعتبارها محطة انتظار طويلة!

انتظار ماذا؟!

العودة؟ الاستقرار؟ انتهاء الصراع والحروب؟

ربما لا يأتي أي من ذلك في الزمن الذي تتوقعه ، فالحياة لا تنتظر الملفات السياسية حتى تنتهي.

الطفولة تمر، الجامعة تمضي، سنوات العمل الأولى تنقضي ، وفرص الزواج، وبناء الشركات والمشاريع والعلاقات تمر.

السياسة تتحرك ببطء، أما الحياة فيحركها الناس والاحداث والأفعال.

هنا، الجيل الثاني يتعلم درساً قاسياً : يمكنك أن تنتظر حلاً سياسياً ما، لكن لا يجوز أن تنتظر حياتك، ولا تتحول ذاكرتك إلى رفض للحياة حيث أنت الآن.

 

من الضحية إلى الفاعل:

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع لاجئ هو أن تتحول الضحية من وصف تاريخي إلى هوية دائمة.

الضحية في التاريخ قد تكون بريئة تماماً، لكن البقاء النفسي داخل موقع الضحية لعقود طويلة يمكن أن يُنتج شيئاً مختلفاً: إنساناً ينتظر دائماً أن يأتي الآخر لكي ينقذه.

 " وهذا هو الفخ"؛ فالجيل الثاني لا يستطيع أن يختار الظروف التي وُلد فيها، لكنهُ يستطيع أن يختار ماذا يفعل بها ، وهنا تكمن النقلة الحقيقية: مِن "أنا ابن مأساة" إلى "أنا ابن أناس نجوا من القتل الى شيء من الحياة".

هنا نصيرُ أكثرَ قوة؛ لأننا لا ننكر الماضي، ولن يكون الماضي هو المستقبل.

الاندماج ليس ذوباناً: 

ثمة سوء فهم شائع أيضاً حول مفهوم الاندماج.

الاندماج لا يعني أن يصبح الفلسطيني هولندياً أكثر من الهولنديين، أو ألمانياً أكثر من الألمان، أو أن يتخلى عن اسمه ولغته وذاكرته.

الاندماج يعني أن تصبح قادراً على المشاركة الكاملة في المجتمع الذي تعيش فيه ، أن تعمل وتنتج و" تدفع الضرائب"، وتتعلم ، وتفوق وتبدع، وتبني علاقات صحيحة وصحية.

أن تفهم القانون ، وأن تشارك في المجال العام ، أن تنتقد الدولة عندما ترى أنها مخطئة، وأن تحترمها عندما تطبق القانون.

باختصار: أن تنتقل من موقع "الضيف" إلى موقع "الفاعل الايجابي"، حتى لو بقيت علاقتك القانونية والثقافية بالبلد أكثر تعقيداً من ذلك.

وهذا لن يلغي فلسطين، ويجب أن لا يلغيها؛ هذا سيجعل الفلسطيني أكثر قدرة على خدمة فلسطين ؛ فالطبيب الفلسطيني الناجح أقوى من الخطاب عن أهمية التعليم، والمهندس الفلسطيني الذي يبني شركة أقوى من منشور على الفيسبوك.

والباحث الفلسطيني الذي ينتج معرفة عن تاريخ بلده أقوى من مئة صورة.

والشاب من الجيل الثاني الذي ينجح في أوروبا ثم يستخدم نجاحه لبناء جسور مع مجتمعه الأصلي، هو في الحقيقة يمارس نوعاً أكثر نضجاً من الوطنية.

الامتحان الحقيقي

ربما يكون الامتحان الحقيقي للجيل الثاني هو أن يعيد تعريف كلمة "الوفاء" ؛ والوفاء ليس أن تكرر حياة آبائك.

ربما هو أن تفهم لماذا اضطروا إلى أن يعيشوا تلك الحياة، ثم تحاول أن تمنح أبناءك حياة أفضل.

الوفاء ليس أن تبقى عالقاً في المخيم لأن أباك عاش فيه ، الوفاء أن تجعل المخيم جزءاً من ذاكرتك، لا سقفاً لطموحك.

والوفاء لفلسطين لا يعني أن تعيش مهزوماً تنتظر مساعدات الآخرين باسم فلسطين.

فلسطين التي تستحق أن تعيش في الذاكرة هي فلسطين التي تدفع أبناءها إلى العلم والعمل والثقافةوالكرامة، 

في النهاية، ربما لا يحتاج الجيل الثاني إلى اختيار واحد من ثلاثة: فلسطين، سوريا، أو أوروبا.

إنه يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: أن يبني نفسه بحيث يستطيع حمل الثلاثة من دون أن يسقط تحت ثقلها.

أن تكون فلسطين جذوراً ، وأن يكون المخيم في سوريا ذاكرة لا جرحاً مفتوحاً ، وأن تكون أوروبا فضاءً للحياة، وليست مجرد محطة انتظار.

ذلك هو الانتقال الحقيقي من جيل اللاجئين إلى جيل الناجين.

فالهوية التي لا تنتج معرفة تتحول إلى شعار ، والذاكرة التي لا تفتح طريقاً إلى المستقبل تتحول إلى متحف.

أما الهوية التي تمنح الإنسان جذوراً، والذاكرة التي تمنحه معنى، والتعليم الذي يمنحه أدوات، والعمل الذي يمنحه استقلالاً، فهي شيء آخر تماماً.

إنها ليست هوية ممزقة ، لا ، إنها هوية متعددة، والعالم الحديث، في نهاية المطاف، لن يكافئ الجيل الذي يعرف أكثر كيف يتحدث عن جروحه، بل الجيل الذي يعرف كيف يحول تلك الجروح إلى معرفة، وتلك الذاكرة إلى قوة، وتلك الهوية إلى مستقبل.

يبدو اننا بحاجة ، مرة أخرى ، الى كلمات أغنية تجمعنا جميعاُ : 

< حبّوا بعضكو ...

يا أهل فلسطين ...

حبّوا بعضكو > .

والى جملة واحدة لأبنائنا من الجيل الثاني في أوربا : 

لاتنسوا فلسطين في المنافي الجميلة، لا.

اجعلوا فلسطين ، عادةً وتعوّد.

 

* كاتب فلسطيني/ سوريا.


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
بوابة دمشق

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم
بوابة دمشق

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
بوابة دمشق

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن
بوابة دمشق

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة

"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني

الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني

"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...