حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026
د. تمام كيلاني

 

حين يغيب الميزان ويحضر المزاج: من خراب نصف قرن إلى أمل عام 2026

د. تمام كيلاني*

لم تسقط سوريا حين اندلعت الثورة، بل سقطت قبل ذلك بكثير؛ سقطت يوم أُقصي الميزان من الحكم، واستُبدل بالمزاج، مزاج الفرد، ومزاج الأجهزة، ومزاج القوة التي لا تعترف إلا بذاتها. ومنذ تلك اللحظة، دخلت البلاد نفقًا طويلًا من القمع المنهجي، لا بوصفه انحرافًا، بل بوصفه سياسة دولة.

على مدى أكثر من خمسين عامًا، حَكم حزب البعث سوريا لا بمنطق الدولة، بل بمنطق السيطرة. وفي عهد حافظ الأسد، جرى تحويل الأجهزة الأمنية إلى عمود الحكم الفقري، لا لحماية المجتمع، بل لإخضاعه. أُفرغت السياسة من معناها، ودُمّرت الحياة العامة، وصار الخوف هو الرابط الوحيد بين المواطن والسلطة.

لم تكن مجزرة حماة حادثة معزولة، بل لحظة مفصلية كُسر فيها الميزان علنًا، وتُرك المزاج الأمني يحكم بلا قيود. منذ ذلك التاريخ، صار القمع قاعدة، والمحاسبة استثناءً مستحيلًا، وتحوّلت الدولة إلى بنية تخدم بقاء السلطة لا المجتمع.

ومع انتقال الحكم إلى بشار الأسد، لم يتغير جوهر النظام، بل ازدادت حدّته. توسّعت أجهزة القمع، وتكاثرت فروع المخابرات، وغدت السجون—من تدمر إلى صيدنايا إلى الأقبية السرية—وسيلة حكم لا أداة ردع. لم يعد الاعتقال نتيجة فعل، بل نتيجة رأي، أو اسم، أو وشاية.

ثم جاءت الثورة السورية، فعرّت النظام أمام شعبه والعالم. خرج السوريون مطالبين بالحرية والكرامة، فقوبلوا بعنف غير مسبوق. وعلى مدى أربعة عشر عامًا، حاول الأسد وعصابته سحق إرادة شعب كامل، مستخدمين ما تبقى من الدولة في حرب ضد المجتمع، حتى تآكلت مؤسسات البلاد، وتفككت الروابط الوطنية.

إن الخراب الذي تعيشه سوريا اليوم ليس وليد لحظة، ولا نتيجة مرحلة انتقالية، بل حصيلة نصف قرن من الحكم بالمزاج، ورفضٍ ممنهج لأي ميزان: ميزان القانون، ميزان العدالة، ميزان المحاسبة. ولذلك، فإن تحميل الواقع الحالي أكثر مما يحتمل هو استمرار للظلم ذاته الذي ثار عليه السوريون.

ومع دخول العام 2026، لا بد من وضوح أخلاقي وسياسي: لا يمكن إصلاح ما دمّره الاستبداد في عام أو عامين، ولا يمكن إعادة بناء دولة نُسفت مؤسساتها عمدًا خلال عقود. المطلوب ليس استعجال النتائج، بل تثبيت الاتجاه الصحيح.

ومع بدء استقرار الحكم، ورفع العقوبات عن سوريا، يبدأ التحدي الحقيقي الذي لا يقل صعوبة عن إسقاط الاستبداد: تحدي البناء. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إنهاء الطغيان، بل بقدرتها على ترميم ما دمّره الطغيان. عند هذه اللحظة، ينتقل الصراع من ميادين السياسة إلى ميادين العمل، ومن إسقاط الخراب إلى بناء الدولة.

إعادة بناء سوريا لا تعني إسمنتًا وحديدًا فقط، بل تعني أولًا إعادة بناء المؤسسات التي جرى تفريغها عمدًا من معناها: مؤسسات دولة لا تخضع للمزاج، ولا تُدار بالأوامر الأمنية، بل بالقانون والكفاءة والمساءلة. وتعني كذلك إعادة المهجّرين إلى وطنهم، لا بوصفهم أرقامًا في إحصاءات، بل بوصفهم شركاء في إعادة الحياة إلى المدن والقرى التي أُفرغت من أهلها.

ويبدأ البناء الحقيقي حين تعود المدارس بدل الثكنات، والمستوصفات بدل الأقبية، وحين تُرمَّم البيوت المهدّمة لا كجدران فقط، بل كذاكرة وأمان وكرامة. فإعادة الإعمار ليست مشروعًا تقنيًا، بل مشروع وطني وأخلاقي، هدفه إعادة الإنسان السوري إلى مركز الدولة بعد عقود كان فيها آخر الأولويات.

إن رفع العقوبات وبدء التعافي الاقتصادي ليسا نهاية الطريق، بل بدايته. فدون ميزان يحكم هذه المرحلة—ميزان العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص—قد يتحول الإعمار إلى شكل جديد من الظلم. أما إذا عاد الميزان، فإن عام 2026 يمكن أن يكون عام الانتقال من الركام إلى الدولة.

الأمل اليوم ليس في مزاج جديد، بل في عودة الميزان. ميزان يحمي الإنسان من السلطة، لا العكس. ميزان يجعل القانون فوق الجميع، لا أداة بيد الأقوياء. ميزان يضمن ألا تعود سوريا إلى حكم الأقبية، ولا إلى دولة الخوف.

من خراب نصف قرن، يولد أمل عام 2026.
أمل بأن تكون هذه السنة بداية استعادة الدولة من المزاج، واستعادة الوطن من الاستبداد.
فحين يعود الميزان، فقط حينها، تبدأ سوريا فعلًا.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية

الله – الأنا – الآخر: ترتيب الأولويات ومسار الحرية الداخلية
الثقافة والأدب

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء

دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطِب نفسًا إذا حكم القضاء


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...