ماذا تبقّى منك بعد أن أرضيت الجميع؟ حسين مطر

ماذا تبقّى منك بعد أن أرضيت الجميع؟ حسين مطر

 

ماذا تبقّى منك بعد أن أرضيت الجميع؟

 

حسين مطر*

 

 

في مرحلةٍ ما من حياتنا نكتشف أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو يبني صورته في عيون الآخرين حتى ينسى أن يسأل عن صورته في عينه هو. نتعلم منذ الصغر كيف نكون مقبولين كيف نختار الكلمات التي لا تزعج أحدًا وكيف نبتسم في الوقت المناسب ونصمت حين يكون الكلام مكلفًا ونوافق حين يكون الرفض أكثر صدقًا ثم نكبر ونحن نحمل في داخلنا مهارة غريبة أن نعرف ما يريده الآخرون منا قبل أن نعرف ما نريده نحن. نُرضي الأسرة، ونراعي الأصدقاء ونحافظ على العلاقات ونخشى أن يُساء فهمنا ونحسب حساب نظرات الناس وتعليقاتهم وأحكامهم، حتى تصبح حياتنا أشبه بثوبٍ خاطناه بأيدي الآخرين جميلًا من الخارج لكنه لا يشبه مقاس أرواحنا.

ولأن الإنسان يخاف الوحدة فإنه كثيرًا ما يدفع من نفسه ثمنًا للبقاء. يتنازل عن رأيه حتى لا يخسر شخصًا، يؤجل حلمه حتى لا يُغضب أحدًا يسكت عن وجعه حتى لا يُقال عنه ضعيف ويتظاهر بأن كل شيء بخير لأن الحقيقة قد تزعج من اعتادوا رؤيته قويًا. ومع مرور الوقت لا يعود التنازل حادثة عابرة بل يتحول إلى عادة والعادة تتحول إلى شخصية والشخصية تصبح قفصًا لا نعرف كيف خرجنا إليه. في البداية نقول «هذه المرة فقط» ثم تصبح المرة الثانية أسهل، والثالثة أكثر اعتيادًا حتى نصل إلى يوم نكتشف فيه أننا لم نعد نعرف أين انتهت رغبات الآخرين وبدأت رغباتنا.

الإنسان لا يخسر نفسه فجأة لا يحدث ذلك كحادثٍ صاخب يسمعه الجميع وإنما يحدث بصمت مثل شمعة تذوب في غرفة لا ينتبه أحد إلى نقصانها. قطعة صغيرة من شخصيتك تذهب كلما قلت «نعم» وأنت تريد «لا» وكلما اعتذرت وأنت المظلوم، وكلما أخفيت رأيك خوفًا من الرفض وكلما تركت مكانًا تحبه لأن وجودك فيه لا يرضي أحدًا، وكلما جعلت أحلامك مؤجلة بحجة أن الوقت لم يحن بعد. ثم تستيقظ بعد سنوات لتجد أن الوقت الذي كنت تنتظره لم يأتِ وأن العمر الذي ظننته واسعًا صار أضيق من أن يستوعب كل ما أجلته.

المؤلم أن إرضاء الجميع ليس ممكنًا أصلًا. مهما كنت طيبًا سيجد أحدهم في طيبتك ضعفًا ومهما كنت صادقًا سيجد آخر في صدقك قسوة ومهما حاولت أن تكون عادلًا سيعتقد طرف أنك انحزت إلى الطرف الآخر ستبقى هناك عين لا يعجبها ما تفعل وشخص لا يفهم نيتك وآخر يفسر صمتك كما يشاء وثالث ينتظر منك شيئًا لا تستطيع تقديمه. ولهذا فإن محاولة الحصول على رضا الجميع تشبه محاولة الإمساك بالماء بيدك؛ كلما شددت قبضتك تسرب أكثر.

ليس المطلوب أن نتحول إلى أشخاص لا يهتمون بأحد. الإنسان النبيل يراعي مشاعر الآخرين ويحفظ الود، ويعتذر عندما يخطئ ويساعد من يحتاجه، ويقدم الخير دون انتظار مقابل. لكن هناك فرقًا عميقًا بين مراعاة الآخرين وإلغاء الذات. أن تحترم الناس لا يعني أن تحتقر حاجاتك، وأن تحب الآخرين لا يعني أن تكره نفسك وأن تكون متسامحًا لا يعني أن تسمح للآخرين بإعادة الجرح نفسه في المكان نفسه كل مرة.

تأمل الشجرة حين تهب الرياح؛ إنها لا تكسر نفسها حتى تثبت للريح أنها قوية ولا تقتلع جذورها حتى ترضي اتجاه العاصفة وإنما تنحني بقدر ما تستطيع ثم تعود إلى مكانها. تلك هي الحكمة التي نفتقدها أحيانًا: أن نكون مرنين دون أن نفقد جذورنا. أن نسمع الآخرين دون أن نفقد صوتنا. أن نحب دون أن نذوب. أن نعطي دون أن نصبح فارغين.

كم من إنسان يضحك أمام الناس ثم يعود إلى غرفته مثقلًا بأسئلة لا يجرؤ على قولها؟ كم من شخص يبدو للجميع قويًا لأنه لم يسمح لأحد أن يرى مقدار التعب الذي يخفيه؟ وكم من إنسان اعتاد أن يقول «أنا بخير» حتى أصبح عاجزًا عن معرفة إن كان بخير فعلًا؟ نحن بارعون في صناعة الواجهات لكننا أقل براعة في إصلاح ما خلفها. وقد تكون أخطر صورة للخسارة أن يصبح الإنسان ناجحًا في نظر الجميع، وفاشلًا في الوصول إلى نفسه.

هناك من عاش حياته وفق جدولٍ لم يكتبه، واختيارات لم يصنعها وأحلامٍ استبدلها بأحلام الآخرين. درس ما أرادوا وعمل فيما توقعوه وصادق من وافقوا عليه وتزوج بالطريقة التي اعتادها المجتمع ولبس الصورة التي رسموها له ثم جلس في منتصف العمر يسأل نفسه سؤالًا مؤلمًا: «لو لم يكن هناك أحد يحكم عليّ، ماذا كنت سأختار؟» والسؤال هنا ليس دعوة للتمرد على كل شيء بل دعوة إلى الصدق مع الذات لأن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وهو يطارد حياة تبدو جميلة للآخرين ثم يكتشف أنها لم تكن حياته أصلًا.

ولعل أكثر ما يوجع في الأمر أننا أحيانًا نُرضي الآخرين لأننا نريد منهم أن يمنحونا الحب فنعتقد أن قيمتنا ترتفع كلما احتجنا إلينا أكثر. نعطي بلا حدود نتحمل فوق طاقتنا نسامح أكثر مما ينبغي ونخشى أن نقول «لا» حتى لا يبتعد من اعتاد أن يأخذ منا. لكن العلاقة التي تقوم على خوفك من خسارة الآخر ليست دائمًا حبًا قد تكون خوفًا من الوحدة متخفيًا بثياب المحبة. والحب الحقيقي لا يطلب منك أن تختفي كي يبقى الآخر مرتاحًا.

تعلم أن بعض الناس لن يحبوك لأنك سيئ بل لأنك لم تعد مناسبًا للصورة التي صنعوها عنك. كانوا يحبونك حين توافقهم وحين تسكت، وحين تعطي، وحين تكون متاحًا دائمًا وحين لا تضع حدودًا. فإذا بدأت تستعيد نفسك شعروا أنك تغيرت. نعم، تغيرت لكن ليس بالضرورة إلى الأسوأ ربما تغيرت من شخص يحاول أن يكون محبوبًا من الجميع إلى إنسان يعرف قيمة نفسه.

ولا تخف من كلمة «تغيرت». فبعض التغيرات ليست خيانة للماضي بل إنقاذ للحاضر. أنت لست ملزمًا أن تبقى الشخص نفسه الذي كنت عليه قبل عشر سنوات لأن الإنسان الذي لا يتغير مع التجربة يشبه كتابًا يرفض أن يضيف صفحة جديدة إلى قصته. قد تتغير آراؤك أولوياتك، علاقاتك، وحتى أحلامك وهذا طبيعي. المهم أن يكون التغير نابعًا من وعيك لا من خوفك.

وفي النهاية سيذهب كل واحد إلى بيته إلى حياته، إلى مشاغله وستغلق الأبواب خلفهم وستبقى أنت مع نفسك. الشخص الذي حاولت طوال حياتك إرضاءه قد ينسى موقفًا أرهقت نفسك من أجله والجماعة التي خفت أن تخالفها قد تنتقل إلى حديث آخر، والناس الذين جعلت أحكامهم ميزانًا لحياتك قد لا يتذكرون أصلًا كم مرة تنازلت من أجلهم. أما أنت فستتذكر. ستتذكر الأحلام التي أجلتها والكلمات التي لم تقله

 

 *كاتب عراقي.

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن

قراءة لنص - أنت.. وأنا – للدكتور مايكل حمدان.. !! الناقد طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..الناقد د. عادل جودة !!

قراءة أدبية لنص تصدع خلف الجدران للشاعرة نجاة رجاح ..الناقد د. عادل جودة !!
الثقافة والأدب

نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم

نحن لانموت لأن قلوبنا تتوقف ..!! عائشة ابراهيم قسوم
الثقافة والأدب

مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!

مسابقة القصة القصيرة.. رابطة الكتاب العرب الأدبية!


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...