من يملك سجلًا أسودًا يحتاج دائمًا لتشويه غيره ليصبح أقل سوادًا
د. تمام كيلاني
من يملك سجلًا أسودًا يحتاج دائمًا لتشويه غيره ليصبح أقل سوادًا
د. تمام كيلاني*
في هذا الزمن المختل، لم يعد السجل الأسود عبئًا على صاحبه، بل صار دافعًا لأن يتحوّل إلى قاضٍ وجلّاد في آنٍ واحد. من تلطّخت يداه بالأخطاء، ومن فضحته مواقفه، لا يرى خلاصه في المراجعة أو الاعتذار، بل في تشويه الآخرين، علّ السواد يتوزّع فلا يُرى واضحًا على وجهه وحده.
لقد أصبح التخوين مهمة المنافقين اليومية، وسلعة رائجة في سوق التفاهة. اتهام الناس صار أسهل من التفكير، والدخول إلى قلوبهم ونياتهم أصبح مهنة من لا مهنة له. لا دليل، لا منطق، لا خوف من حساب قريب أو بعيد، فقط كلام يُرمى جزافًا، وتهم تُطلق كالرصاص الأعمى.
وما زاد الطين بلّة، أننا نعيش زمن “المنصّات”، حيث يكفي أن يملك المرء حسابًا على فيسبوك وعددًا من المتابعين، ليظن نفسه إمام هذه الأمة، أو صحفي هذا الزمان، أو مفكر العصر الذي لا يُشقّ له غبار. بضعة إعجابات، وبعض المشاركات، تتحوّل في رأس الجاهل إلى تفويض إلهي بالكلام في كل شيء، والحكم على الجميع.
زمانٌ – وللأسف – أصبح فيه الجاهل يشعر أنه أعلم من الأكاديمي، وأفهم من المختص، وأصدق من صاحب التجربة. لم يعد العلم معيارًا، ولا المعرفة قيمة، بل الصراخ الأعلى، واللغة الأكثر استفزازًا، والعنوان الأشد ابتذالًا. فكلما قلّ المحتوى، ارتفع الضجيج.
أما سرقة الأفكار، فحدث ولا حرج. من يسرق جملتين من كاتب مشهور، أو يقتطع فقرة من مقال رصين، يخرج علينا منتفخ الصدر، متوهّمًا أنه سيّد هذا العصر، وصاحب فكر متفرّد. لا أمانة فكرية، ولا خجل، ولا حتى اعتراف بالمصدر. مجرد نسخ ولصق، ثم خطبة طويلة عن الوعي والتنوير.
وإذا كان هذا الشخص يملك منصة إلكترونية، أو قناة، أو مساحة يُسمِع فيها صوته، فهنا تقع المصيبة الكبرى. تتحوّل المنصة إلى منبر للتخوين، والتشويه، وتصفية الحسابات. يُخوَّن هذا، وتُشوَّه سمعة ذاك، وتُغتال الشخصيات بلا محكمة ولا حق دفاع. جمهور يُصفّق، وصاحب منصة يتغذّى على الكراهية، والحقيقة تُدفن تحت ركام اللايكات.
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس كثرة الجهل، بل جرأة الجاهل. وليس انتشار المنصات، بل تحوّلها إلى أدوات هدم بدل أن تكون وسائل وعي. فحين يتساوى العالِم بالمدّعي، والمثقف بالمهرّج، وصاحب السجل النظيف بصاحب التاريخ الأسود، نكون أمام انهيار أخلاقي قبل أن يكون انهيارًا فكريًا.
الحقيقة التي يكرهها هؤلاء واضحة:
من يملك سجلًا نظيفًا لا يحتاج إلى تشويه غيره، ومن يملك فكرًا حقيقيًا لا يسرق، ومن يحمل همّ الأمة لا يخوّن أبناءها. أما أصحاب السجلات السوداء، فسيبقون يحاربون الضوء، لأن النور وحده يفضح عتمتهم.
ذلك هو زمننا المؤلم:
زمن يظن فيه كل صاحب حساب قائدًا، وكل صاحب منصة وصيًّا على العقول، وكل مفلس أخلاقيًا بطلًا… إلى أن تُعيد الحقيقة ترتيب المشهد، وتضع كل واحد في مكانه الطبيعي، مهما طال الضجيج.