هل مات القارئ... أم اغتيل؟
عبد الكريم العفيدلي
هل مات القارئ... أم اغتيل؟
عبدالكريم العفيدلي*
منذ أيام توقفت عند منشور لشاعر أعرفه . قصيدة جميلة، مكتوبة بعناية واضحة ليست من ذلك الشعر الذي يُكتب على عجل ليملأ فراغ الصفحة بل قصيدة تشعرك بأن صاحبها عاشها قبل أن يكتبها. لم تحصد سوى عشرات الإعجابات، وتعليقات قليلة، معظمها كلمات مجاملة سريعة.
بعد دقائق، ظهر أمامي خبر عاجل: (الفنانة... تعلن طلاقها).
خلال ساعات تحوّل الخبر إلى موجة تفاعل كبيرة . آلاف التعليقات ومئات المشاركات وجدالات طويلة حول التفاصيل، وتحليلات لعلاقة لا يعرف أصحابها إلا أطرافها. بدا الأمر وكأن الجمهور لا يكتفي بالخبر بل يريد أن يعيش داخله ويعيد صياغته كما لو كان جزءاً من القصة.
أغلقت الهاتف، ولم يكن السؤال الذي خطر في بالي: لماذا يهتم الناس بأخبار المشاهير؟ فهذا ليس جديداً .
السؤال كان أبسط وأعمق في الوقت نفسه:
كيف أصبحت حادثة عابرة أكثر حضوراً من نص مكتوب بعناية؟
ومن هنا بدأ سؤال آخر يفرض نفسه:( هل مات القارئ... أم اغتيل؟)
لا يبدو أن القارئ قد مات ، فالتفاعل لم يتوقف والقراءة لم تختفِ تماماً ، لكن الذي تغيّر هو طبيعة الانتباه نفسه . لم يعد القارئ يقف طويلاً أمام النص، بل يمر عليه بسرعة، كأنه يتنقل بين أشياء كثيرة في وقت واحد، دون أن يمنح أيّاً منها فرصة أن يكتمل في ذهنه.
عندما ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي، قُدِّمت بوصفها مساحة مفتوحة للكلمة. لم يعد الكاتب بحاجة إلى صحيفة، ولا الشاعر إلى دار نشر، ولا المفكر إلى مؤسسة تمنحه حق الظهور. بدا الأمر وكأنه تحرير كامل للخطاب العام.
لكن ما لم يكن واضحاً منذ البداية أن هذه المساحة المفتوحة لا تميز بين محتوى وآخر، ولا بين جهد طويل وانطباع لحظي. كل شيء يدخل في اللحظة نفسها ويخضع في النهاية للمعيار ذاته: " كم يجذب من الانتباه" .
هنا تبدأ المفارقة ... أذكر عبارة تُتداول كثيراً: المسدس ساوى بين الشجاع والجبان. فحين يصبح الضغط على الزناد كافياً لإحداث الأثر، تتراجع قيمة الخبرة والتدرّب والتاريخ. وبطريقة مشابهة ساوت وسائل التواصل في الظهور بين من راكم معرفة طويلة ومن يكتفي بآراء سريعة أو ردود انفعالية أو إعادة تدوير لما يراه أمامه.
لم تعد الفكرة تُقاس بعمقها، بل بقدرتها على البقاء في الواجهة أطول وقت ممكن.
وهنا يلعب “الانتباه” دوره الحاسم فالمنصات لا تكافئ الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على إثارة التفاعل وما يثير التفاعل ليس دائماً ما هو مهم، بل ما هو صادم، أو مستفز، أو سريع الاشتعال. لذلك تنتشر الشتيمة أسرع من الحجة، والإشاعة أسرع من التصحيح، والفضيحة أسرع من الكتاب.
في المقابل، يحتاج النص الجيد إلى قارئ مختلف: قارئ يبطئ، ويتوقف، ويعيد القراءة. وهذا النوع من القراءة أصبح أقل حضوراً ، ليس لأنه انقرض، بل لأنه لم يعد النموذج السائد.
كان يُقال قديماً إن “المجنون لا يعرفه إلا أهله”، في إشارة إلى أن السلوك غير المتزن كان يبقى محصوراً في نطاق ضيق يمكن احتواؤه. أما اليوم، فقد صار لكل شخص نافذة مفتوحة على العالم، وكل نافذة قادرة على تضخيم أي صوت، مهما كان هامشياً أو صاخباً أو غير متوازن.
ومع هذا الانفتاح، بدأ الخلط يتعمق بين الشهرة والقيمة. صار عدد المتابعين مؤشراً غير معلن على “الاعتبار”، وعدد الإعجابات معياراً اجتماعياً خفياً للحكم على الفكرة، رغم أن التاريخ لا يحتفظ بالأكثر انتشاراً، بل بالأكثر أثراً.
لكن من الخطأ اختزال الأمر في المنصات وحدها. فهي لا تخلق الميل، بقدر ما تكشفه وتضاعفه. فلو لم يجد المحتوى السطحي جمهوراً لما استمر. ولو لم يكن هناك استعداد عام لتلقيه، لما تحول إلى ظاهرة.
السؤال إذن لا يجب أن يكون: لماذا ينجح التافه؟
بل: لماذا تراجع صبرنا على ما هو أعمق؟
القارئ لم يمت، لكنه يتعرض كل يوم لمحاولة اغتيال بطيئة: اغتيال للانتباه، وللصبر، وللقدرة على التمييز بين ما يستحق أن يُقرأ، وما يُستهلك ثم يُنسى.
وفي النهاية، ليست الأزمة في كثرة الأصوات، بل في ما نمنحه نحن من وقت واهتمام لتلك الأصوات. لأن الضجيج لا يعيش وحده، بل يعيش حين يجد من يصغي إليه أكثر مما يصغي إلى الفكرة.
*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
نحو تجديد ونزاهة النقد الأدبي المُزيّف والمأجور!!
الحداثة وما بعد الحداثة: لماذا أخطأنا في فهمهما؟
شمعدان الدموع: الطائرة كتابوت معلق في أدب المنفى!!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...