مجزرة حماة 1982

مجزرة حماة 1982
د. تمام كيلاني

مجزرة حماة 1982


جريمة ضد الإنسانية وجذر المأساة السورية المعاصرة
وصمة لا يمحوها الزمن ولا يسقطها التقادم

 

د. تمام كيلاني

في شباط/فبراير 1982، لم تُستهدف مدينة سورية فحسب، بل جرى تحطيم الحدّ الأخير الفاصل بين الدولة والجريمة. ما حدث في حماة لم يكن حادثًا أمنيًا، ولا ردًا على تمرّد، ولا فصلًا عابرًا من تاريخ مضطرب، بل كان جريمة دولة مكتملة الأركان، أُعدّت بقرار سياسي مركزي، ونُفّذت بعقيدة ترى في المجتمع خطرًا يجب إخضاعه بالقوة، لا شعبًا يُفترض حمايته.

كانت حماة المدينة التي قالت «لا».
فجاء الردّ إبادةً مفتوحة.

وأكتب هذا لا بوصفه توصيفًا تاريخيًا مجردًا، بل كشهادة شاهدٍ عابرٍ على تلك العتبة الفاصلة بين العادي والكارثي. ففي صباح يوم الثلاثاء، الثاني من شباط/فبراير 1982، كنت مسافرًا من حلب إلى دمشق، وتوقفت في مدينة حماة قرابة ربع ساعة. كنت أنوي المبيت فيها يومًا أو يومين. بدت المدينة في ذلك الصباح طبيعية تمامًا: شوارع مفتوحة، حركة عادية، لا شيء يوحي بأن الساعات القادمة ستفتح على واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ سوريا الحديث.

لم يكن أحد يعلم ما الذي تخبئه تلك الليلة لأهل حماة.

غير أن ما بدا تفصيلًا عابرًا كان، في حقيقته، مسألة حياة. فقد دفعتني ظروف سفر إخوتي في ذلك اليوم إلى المزرعة شمالي حماة إلى متابعة طريقي نحو دمشق، فغادرت المدينة ولم أبت ليلتي فيها. في تلك الليلة نفسها، فُرض على حماة حصار شامل، قُطعت فيه المياه والكهرباء والاتصالات، وأُغلقت المداخل، ثم أُطلقت يد المدفعية الثقيلة والدبابات وراجمات الصواريخ في أحياء مدنية مأهولة، بلا تمييز، وبلا أي اعتبار لحياة السكان.

قاد العملية رفعت الأسد عبر قوات سرايا الدفاع، مدعومًا بوحدات من الجيش والأجهزة الأمنية، وبأوامر مباشرة من رأس النظام آنذاك حافظ الأسد. لم يكن الهدف احتواء اضطراب أمني أو حماية مؤسسات الدولة، بل تحطيم مدينة بكاملها بوصفها رمزًا للاعتراض السياسي والاجتماعي، وإرسال رسالة رعب إلى المجتمع السوري بأسره: الاعتراض يُقابل بالفناء.

هنا تتكشّف حقيقة ما جرى:
الدولة نفسها تحولت إلى طرف يشنّ حربًا شاملة على جزء من شعبه.

لم تكن مجزرة حماة عملية عسكرية بالمعنى التقليدي، بل سياسة أرض محروقة. أحياء تاريخية أُزيلت من الوجود، بيوت دُمّرت فوق ساكنيها، مساجد وكنائس وأسواق قديمة سُوّيت بالأرض، لا لأنها أهداف عسكرية، بل لأنها جزء من نسيج المدينة الذي قرر النظام معاقبته جماعيًا.

عائلات أُبيدت بالكامل.
مدنيون قُتلوا بلا محاكمة.
جثث تُركت في الشوارع، أو دُفنت تحت الأنقاض، أو وُوريت في مقابر جماعية بلا أسماء.

لم يكن القتل نتيجة جانبية، بل وسيلة حكم، ولم يكن الرعب أثرًا عرضيًا، بل غاية سياسية مقصودة. تشير تقديرات عديدة إلى سقوط ما يزيد عن أربعين ألف شهيد خلال أسابيع قليلة، غالبيتهم الساحقة من المدنيين، إضافة إلى عشرات الآلاف من المعتقلين والمفقودين. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حجم المأساة، بل تكشف استعداد السلطة لاستخدام أقصى درجات العنف من أجل ترسيخ سيطرتها.

وفقًا لمعايير القانون الدولي الإنساني، فإن ما جرى في حماة يرقى بوضوح إلى جرائم ضد الإنسانية، وربما إلى إبادة جماعية، نظرًا لطابعه المنهجي، واتساع نطاقه، واستهدافه المباشر للمدنيين والبنية المدنية. إنها جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بتبدّل الخطاب السياسي، ولا يلغيها مرور الزمن.

غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود المجزرة نفسها.

فقد أعقبها صمت دولي شبه مطبق. لم تُشكَّل لجان تحقيق مستقلة، ولم تُفرض عقوبات، ولم يُحاسَب أي من المسؤولين عنها. هذا الصمت لم يكن حيادًا، بل شكّل تواطؤًا فعليًا، ورسالة واضحة للنظام بأن الإفلات من العقاب ممكن، بل مضمون.

وهكذا ترسخت أخطر معادلة في التاريخ السوري الحديث:
يمكن للدولة أن تقتل مواطنيها على نطاق واسع من دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا أو قانونيًا.

من يتأمل ما شهدته سوريا منذ عام 2011 يدرك أن مجزرة حماة لم تكن استثناءً، بل نموذجًا تأسيسيًا. المنهج ذاته تكرّر: الاحتجاج يُقابل بالعنف، والمطالبة بالحرية تُصنَّف تهديدًا وجوديًا، والحلّ دائمًا أمني وعسكري. من حمص إلى حلب، ومن الغوطة إلى درعا، ظلّ الخيط واحدًا: سلطة ترى في المجتمع خصمًا، وتلجأ إلى القتل حين تعجز عن السياسة.

إن إحياء ذكرى مجزرة حماة ليس استدعاءً للماضي ولا اجترارًا للألم، بل فعل مقاومة أخلاقية وسياسية في مواجهة محاولات الإنكار والتزييف وإعادة تأهيل الجناة. فالذاكرة هنا ليست شأنًا تاريخيًا فحسب، بل شرطًا للحقيقة، ومن دون الحقيقة لا يمكن الحديث عن مصالحة أو استقرار.

لم تكن مجزرة حماة حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية قررت فيها السلطة أن تحكم بالخوف بدل السياسة، وبالإبادة بدل التعاقد مع المجتمع. ومنذ تلك الليلة، لم تعد العلاقة بين الدولة ومواطنيها قابلة للفهم خارج منطق القوة العارية.

العدالة، هنا، ليست مطلبًا انتقاميًا، بل شرط المستقبل. لا يمكن بناء دولة على أنقاض مدنها، ولا الحديث عن قانون فوق جماجم الضحايا، ولا عن استقرار بلا مساءلة. مجزرة حماة جريمة لا يطويها النسيان، ولا يغلق ملفها الصمت، ولا تمحوها السنوات.

ستبقى حماة شاهدًا دائمًا على اللحظة التي كُسر فيها الحاجز الأخير بين السلطة والجريمة، وعلى الثمن الذي دفعه السوريون حين تُرك القتل بلا حساب. والذاكرة، في هذا السياق، ليست حنينًا إلى الماضي، بل وعدًا للمستقبل: أن الدم لا يتحول إلى نسيان، وأن العدالة، مهما تأخرت، تظل الخاتمة الوحيدة الممكنة.

الرحمة لشهداء حماة،
والعار لجلاديهم،
والذاكرة الحيّة لمن بقي شاهدًا.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب قي النمسا

مجزرة حماة 1982

مجزرة حماة 1982


كلمات البحث

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا

أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا
بوابة فيينا

بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!

بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!
بوابة فيينا

لقاء تشاوري حول شؤون الجالية السورية بالنمسا!!

لقاء تشاوري حول شؤون الجالية السورية بالنمسا!!
بوابة فيينا

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية


الاكثر شهرة

تابعونا


جارٍ التحميل...