حين تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!! د. تمام كيلاني

حين  تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!!  د. تمام كيلاني

حين تصبح الحقيقة خادمةً للسلطة..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

منذ فجر التاريخ، لم تكن السلطة وحدها هي التي تصنع الاستبداد، بل كان هناك دائماً شريك خفي يقف إلى جانبها ويساهم في ترسيخها: المتملق. فالحاكم مهما بلغت قوته يبقى بحاجة إلى من يزين له أفعاله، ويحول أخطاءه إلى إنجازات، ويقنعه بأن ما يراه هو الحقيقة المطلقة. ولهذا فإن الاستبداد ليس مجرد مشكلة سياسية، بل هو أيضاً مشكلة أخلاقية وفكرية تتعلق بعلاقة الإنسان بالحقيقة.

 

يروي المؤرخون أن الخليفة المتوكل رمى عصفوراً فلم يصبه، فقال له أحد وزرائه: “أحسنت يا مولاي”. فاستغرب الخليفة وقال: “أتسخر مني؟ لقد أخطأت الهدف.” فأجابه الوزير: “بل أحسنت إلى العصفور.”

 

قد تبدو القصة طريفة، لكنها تكشف آلية عميقة في النفس البشرية. فالوزير لم يكن معنياً بالحقيقة، بل كان معنياً بإرضاء الخليفة. وهنا تبدأ المأساة؛ حين تصبح الحقيقة أقل أهمية من رضا صاحب السلطة.

 

وتتجلى هذه الظاهرة بصورة أكثر وضوحاً في القصة الشهيرة المنسوبة إلى الأمير بشير الشهابي. فقد اشتهى الأمير يوماً أكلة من الباذنجان، فانبرى خادمه يمدحه قائلاً:

 

“الباذنجان سيد المأكولات، لحم بلا شحم، وسمك بلا حسك، يؤكل مقلياً ومشوياً ومحشياً ومخللاً ومكدوساً.”

 

وبعد أيام اشتكى الأمير من ألم في معدته بسبب الباذنجان، فإذا بالخادم نفسه ينقلب عليه قائلاً:

 

“لعنة الله على الباذنجان، فهو ثقيل وغليظ ونفاخ وأسود الوجه.”

 

فقال الأمير متعجباً:

 

“كيف تمدح الشيء وتذمه في الوقت نفسه؟”

 

فأجاب الخادم بجملة تختصر فلسفة التملق كلها:

 

“يا مولاي، أنا خادم للأمير ولست خادماً للباذنجان.”

 

هذه العبارة ليست مجرد نكتة تاريخية، بل هي وصف دقيق لمرض سياسي واجتماعي مزمن. فالمتملق لا يخدم الحقيقة، ولا يدافع عن مبدأ، ولا ينطلق من قناعة. إنه يدور حيث تدور السلطة، ويغير مواقفه كما تغير الريح اتجاهها.

 

لقد أدرك سقراط قبل أكثر من ألفي عام أن وظيفة العقل هي البحث عن الحقيقة لا إرضاء الأقوياء. ولذلك دفع حياته ثمناً لإصراره على السؤال والنقد. أما أفلاطون فقد حذر من الحكام الذين يحيطون أنفسهم بالمادحين، لأنهم يفقدون القدرة على رؤية الواقع كما هو. وفي العصر الحديث رأت الفيلسوفة حنة أرندت أن أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية ليس قمع الناس فقط، بل إفساد علاقتهم بالحقيقة، بحيث يصبح الكذب مقبولاً ما دام صادراً عن السلطة.

 

ولعل أخطر ما في التملق أنه لا يخدع الشعوب فقط، بل يخدع الحكام أنفسهم. فالحاكم الذي لا يسمع إلا المديح يفقد القدرة على تصحيح أخطائه، ويصبح أسيراً لصورة وهمية يصنعها المنتفعون من حوله. وهكذا تنشأ فجوة خطيرة بين الواقع كما هو والواقع كما يعتقد الحاكم أنه موجود.

 

ولست أتحدث هنا عن قصص تراثية فحسب، بل عن مشاهد عشتها وسمعتها بأذني، لأنها تكشف أن الباذنجانيين لم ينقرضوا، بل ما زالوا يتكاثرون في كل عصر.

 

أتذكر أنه بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، وفي إحدى خطابات الرئيس جمال عبد الناصر، أعلن عزمه إرسال بوارج إلى سوريا، فدوى التصفيق في القاعة تأييداً وحماساً. وبعد وقت قصير أعلن تراجعه عن هذا القرار، فعاد التصفيق بالحماسة نفسها.

 

يومها لم أستطع إلا أن أتساءل: هل كان التصفيق للقرار أم لصاحبه؟ ولو كان نابعا من اقتناع عقلاني، فكيف يمكن التصفيق للفكرة ونقيضها بالدرجة نفسها؟ لقد كان المشهد تجسيداً حياً للخادم الذي قال: “أنا خادم للأمير ولست خادماً للباذنجان.”

 

وتكرر المشهد بصورة أكثر مأساوية في سوريا عام 2011. فقد انتظر السوريون خطاب الرئيس بشار الأسد وسط آمال واسعة بأن يحمل حلولاً سياسية وإصلاحات حقيقية للأزمة المتصاعدة آنذاك. لكن الخطاب اتجه نحو التشدد ورفض مطالب المحتجين واتهامهم بالإرهاب والتخريب.

 

وما إن انتهى الخطاب حتى وقف أعضاء مجلس الشعب يصفقون ويهتفون بحرارة. ولم يكتف بعضهم بالتأييد السياسي، بل تجاوزوه إلى التمجيد الشخصي. وما زلت أذكر ذلك النائب الذي خاطب الرئيس قائلاً:

 

“سيدي الرئيس، أن تكون رئيسا لسوريا فهذا قليل عليك، فأنت تستحق أن تكون رئيساً للعالم.”

 

عند هذه اللحظة لم يعد الأمر مجرد تأييد لرئيس أو موقف سياسي، بل أصبح نموذجاً صارخاً لتحول الإنسان إلى صدى لصوت السلطة، وعجزه عن الاحتفاظ بمسافة نقدية بينه وبين من يحكمه.

 

إن الأمم لا تتقدم بالمصفقين، بل بالناقدين. فالتصفيق لا يصحح الأخطاء، والمديح لا يبني الأوطان، والتملق لا يصنع نهضة. الحضارات العظيمة قامت عندما كان الفيلسوف قادراً على مساءلة الحاكم، وعندما كان المواطن يملك حق الاعتراض دون خوف، وعندما كانت الحقيقة أكبر من الأشخاص جميعاً.

 

أما حين يصبح الولاء بديلاً عن التفكير، والطاعة بديلاً عن العقل، والتصفيق بديلاً عن الحوار، فإن المجتمع يدخل مرحلة خطيرة من العمى الجماعي. عندها لا يعود الناس يبحثون عما هو صحيح، بل عما يرضي صاحب النفوذ.

 

لقد تغيرت أسماء الخلفاء والأمراء والرؤساء عبر القرون، لكن الباذنجانيين بقوا كما هم. يبدلون آراءهم بتبدل مزاج الحاكم، ويغيرون قناعاتهم مع تغير اتجاه الريح السياسية، ويظنون أن خدمة الأشخاص أهم من خدمة الحقيقة.

 

غير أن الحقيقة تبقى في النهاية أكثر بقاءً من السلطة، وأكثر دواماً من المديح، وأكثر قوة من التصفيق.

 

ولعل المقياس الحقيقي لتحضر أي مجتمع ليس عدد الذين يهتفون للحاكم، بل عدد الذين يستطيعون أن يقولوا له بأدب وشجاعة: لقد أخطأت.

 

فالحقيقة لا تحتاج إلى مديح، لكنها تحتاج دائماً إلى أحرار.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني

الذاكرة لا تتذكر فقط… بل تختلق أيضًا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي

من مفارقة العنوان إلى انزياح اللغة وقلب التناص!! سعيدة بركاتي
بوابة دمشق

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!

إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!
بوابة دمشق

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني

من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري

الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
بوابة دمشق

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني

في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...