عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!! عبد الكريم العفيدلي

عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!!  عبد الكريم العفيدلي
غلاف

 

عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!!

عبد الكريم العفيدلي*

 

«إذا فُهمت القصيدة تماماً ماتت... والغائب الحقيقي في نصوصي هو اليقين الخام»

 

ثمة شعراء يكتبون القصيدة بوصفها جواباً، وثمة شعراء يجعلون منها سؤالاً مفتوحاً على احتمالات الوجود. وفي تجربة الشاعرة عائشة بريكات تبدو القصيدة أقرب إلى رحلة بحث لا تنتهي، حيث تتجاور الفلسفة والدهشة، ويتحوّل الحب إلى معرفة، والغربة إلى سؤال وجودي، والصمت إلى لغة أخرى موازية للكلمات.

في دواوينها، ولا سيما «إني آنستُ حبرًا» و«كأنها لم تُخدش يوماً»، لا تكتفي الشاعرة بتأثيث النص بالصور والإيقاعات، بل تنسج عالماً تتقدّم فيه الأسئلة على الأجوبة، ويصبح الشعر مساحة للتأمل في الزمن والهوية والذاكرة والمصير.
لذلك بدا هذا الحوار مع " فن ومدن للإعلام " محاولةً للاقتراب من رؤيتها للشعر والحياة، ومن تلك المنطقة الملتبسة التي تلتقي فيها عائشة الإنسانة بعائشة الشاعرة.

 

*تبدو الأسئلة في نصوصك أكثر حضوراً من الأجوبة، هل تكتبين القصيدة للبحث عن الحقيقة أم للاعتراف باستحالة الوصول إليها؟

_ لا أثق بالأجوبة النهائية، الأسئلة وحدها تملك القدرة على إبقاء الروح يقظة.

القصيدة ليست طريقاً معبداً للحقيقة، أراها طريقة جميلة لعدم فقدانها.

أتريد الصدق! أكتب لأبقى جديرة بشرف السؤال، ولو لم أستطع امتلاك الأجوبة.

 

*في عالمك الشعري لا تظهر المرأة ضحية ولا بطلة، بل كائناً يسائل الوجود. هل كان هذا خياراً واعياً أم نتيجة طبيعية لتجربتك؟

_ حين أكتب المرأة بصدق أسقط عنها أدوار البطلة والضحية، لأني أكتبها ليس كما أرادوها بل كما سمعتها داخلي، بأسلوب لا يمنحها بطولة زائفة ولا يسلبها تعقيدها الإنساني.

 

*كثير من نصوصك تبدو كأنها حوار طويل مع الغياب. من هو الغائب الحقيقي في قصائدك: الإنسان أم المعنى؟

_ الغائب الحقيقي في قصائدي هو اليقين الخام، أما الإنسان والمعنى فمجرد أثرين له، من خلالهما أقلب رقعة الحبر.

 

*ثمة نزعة فلسفية واضحة في كتابتك، فهل تأتين إلى الشعر من بوابة الفكر أم أن الفكر هو ما يفرض نفسه أثناء الكتابة؟

_ أدخل القصيدة من بوابة الدهشة، لكن الفكر يعرف دائماً كيف يجد مقعده بين سطوري. وأذهب إلى الفلسفة من جرح القصيدة حين تعجز العاطفة عن الاكتفاء بنفسها.

 

*لماذا تحتل الأسئلة الوجودية الكبرى هذا الحيز الواسع في نصوصك؛ الزمن، الموت، الذاكرة، المصير، والهوية؟

_ الزمن والموت والذاكرة ليست في نصوصي، هي ما يجعل النص ممكناً أصلاً. والكتابة لا تعيش طويلاً إلا في الأسئلة المفتوحة. وإن أردت الحق، فالزمن والموت والهوية هي الأشياء التي تترجمني من الداخل، تاركة لي فقط شكل اللغة.

 

*هل ترين أن الشعر قادر على كشف ما تعجز الفلسفة عن قوله؟

_ من وجهة بصري، الفلسفة تمسك المعنى ودهشته، والشعر يبقيه حياً وهو يفلت بحبره.

 

*في نصوصك يتحول الحب أحياناً إلى معرفة، ويتحول الفقد إلى شكل من أشكال الإدراك. كيف تفهمين العلاقة بين العاطفة والمعرفة؟

_ أفهم العلاقة بينهما على أنها تحول لا صراع. العاطفة هي اللحظة التي تترجم بها المعرفة قبل أن تسمى بأسمائها، وتصبح القصيدة حيزاً قابلاً للعيش.

 

*يبدو الزمن في قصائدك كائناً حياً لا مجرد إطار للأحداث. ما طبيعة علاقتك بالزمن؟

_ لا أتعامل مع الزمن كخطّ يمر، لأنه كائن يغيّر شكلي وشكله كلما مرّ بي. والكلام في سرّك: الزمن لا يخفيني ولا أطاردُه، ولكأن بيننا معرفة قديمة.

 

*هل تكتبين من ذاكرة شخصية أم من ذاكرة إنسانية أوسع تتجاوز التجربة الفردية؟

_ ذاكرتي تبدأ مني لكنها لا تقف عندي. ما أعيشه يتحول بسرعة الحرف وقدرته إلى فضاء تتقاطع فيه حيوات لم تحدث لي، وربما حدثت لغيري.

 

*تحضر المرأة في شعرك بوصفها صوتاً كونياً لا بوصفها قضية اجتماعية فقط، إلى أي حد يشغلك تصنيف الشعر النسوي؟

_ كل تصنيف للشعر يهدد حريته في أن يكون أكبر من اسمه، وأنا أفضل أن يبقى الصوت أعظم من الإطار الذي يُسمّى به.

 

*ماذا تفعل اللغة حين تعجز عن حمل ما نشعر به؟ وهل تبدأ القصيدة من هذه المنطقة تحديداً؟

_ القصيدة لا تبدأ من عجز اللغة، أجدها تولد من لحظة إدراك اللغة أنها تخون الشعور وهي تحاول حمله. حتى النقص في قصائدي هو شكل من أشكال القول.

 

*في نصوصك حضور كثيف للرمز والإيحاء، هل تخشين أحياناً أن يبتعد القارئ عن المعنى الذي أردته؟

_ أحياناً أقصى ما أريده من اللغة ألا تغلق الباب على قراءة واحدة، حتى لو دفع ذلك القارئ إلى الضياع المؤقت. ولأكن أكثر صدقاً، لا أستطيع أن أطالب النص أن يكون وفياً لي تحت مجهر القراء، وأتمنى دوماً ألا تتحول الرموز إلى إدانات بلا سياق أو أحكام جاهزة.

 

*هل تؤمنين أن القصيدة ينبغي أن تُفهم، أم يكفي أن تُحسّ؟

_ إذا فُهمت تماماً ماتت وأذهبت معها أثري، وإذا أُحسّت دون أي أثر للفهم بقيت ناقصة. حياتها في التوتر بين الاثنين لا في انتصار أحدهما.

 

*ثمة شعور دائم في نصوصك بأن الإنسان يعيش منفياً حتى وهو في وطنه. هل الغربة عندك حالة مكانية أم وجودية؟

_ الغربة ليست مكاناً ولا شعوراً ثابتاً، إنها لحظة تتأخر فيها اللغة فلا تشبهني أينما كنت، ولكأن الوطن يمر بي كثيراً ولا يمنحني صك الانتماء.

 

*يبدو الصمت في شعرك شريكاً للكلمة لا نقيضاً لها، ما الذي يستطيع الصمت قوله ولا تستطيع اللغة قوله؟

_ اللغة تختار، أما الصمت فيحتفظ بكل ما رفضته اللغة لتتماسك. وأجزم بأنه ليس نقيضها، بل ذاكرتها غير المنطوقة.

 

*كيف تنظرين إلى العلاقة بين السيرة الذاتية والقصيدة؟ وأين تنتهي عائشة الإنسانة وتبدأ عائشة الشاعرة؟

_ تنتهي عائشة الإنسانة حين تتوقف قدرتي على الفهم، وتبدأ عائشة الشاعرة حين يصبح عدم الفهم مادة خام للكتابة لا عائقاً لها. وربما أكتب لأضع يامن في جهة الضوء وأضعني في جهة الشعر، لأني منذ ولادته لم أعد أجيد العيش خارج القصيدة.

 

*نجحتِ في اختيار عناوين شديدة الإيحاء مثل «إني آنستُ حبرًا» و«كأنها لم تُخدش يوماً»، فهل العنوان عندك بداية الكتابة أم آخر أسرارها؟

_ العنوان هو ندبة الديوان التي يُستدل عليه بها.

 

*ما الذي يمكن للشعر أن يفعله في زمن تزداد فيه الضوضاء ويقل فيه الإصغاء؟

_ الشعر مساحة انسحاب صغيرة داخل هذا العالم الضوضائي بطبعه وسماته.

 

*حين تنتهين من قصيدة، هل تشعرين أنك قلتِ ما تريدين قوله أم أن القصيدة تترك دائماً شيئاً غير مكتمل؟

_ لا اكتمال في الشعر… هناك فقط لحظة أتوقف فيها عن النزيف. والقصيدة الجيدة تترك عمداً باباً موارباً.

 

*بعد كل هذه الأسئلة التي تملأ نصوصك، ما السؤال الذي ما زالت عائشة بريكات تبحث عن جوابه حتى اليوم؟

 

_هل يمكن أن أبقى أنا… إذا توقفتُ عن تحويل نفسي إلى نص؟

ولماذا كل محاولاتي باءت بالفشل في إنقاذي من فخاخ القصائد التي صنعتها بنفسي؟

 

*كاتب وإعلامي سوري/ الرقة.

 

 

 

 

عبد الكريم العفيدلي كاتب وشاعر وإعلامي سوري

عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!!  عبد الكريم العفيدلي


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

رؤية نقدية حول (ق ق ج) للكاتب السوداني عبد الباسط عبد الله!! ماجد القيسي

رؤية نقدية حول (ق ق ج) للكاتب السوداني عبد الباسط عبد الله!! ماجد القيسي
الثقافة والأدب

من دفاتر الحياة.. قصص قصيرة جداً!! عبد الباسط عبد الله

من دفاتر الحياة.. قصص قصيرة جداً!! عبد الباسط عبد الله
الثقافة والأدب

المسرح السوداني والهوية!! عبد الباسط عبد الله

المسرح السوداني والهوية!! عبد الباسط عبد الله


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...