نجا من أربعة مشاهد!!

نجا من أربعة مشاهد!!

نجا من أربعة مشاهد!!


عبدالكريم العفيدلي*


روى لي الشاعر أسعد الروابة حكاية لم تتوقف عند لحظة عابرة من كواليس التصوير، بل حملت في داخلها حكاية مجتمع كامل. يقول إنه أثناء عمله مدققاً لغوياً مع المخرج الراحل حاتم علي في مسلسل «أبواب الغيم»، تغيّب أحد الممثلين وكان لديه أربعة مشاهد في العمل، فاقترح عليه حاتم علي أن يحل مكانه ويؤدي الدور مقابل مبلغ مادي مجزٍ يضاف إلى عقده الأساسي، لكن الروابة اعتذر.
لم يكن اعتذاره بسبب عجز عن أداء الدور، ولا خوفاً من الوقوف أمام الكاميرا، بل بسبب كاميرا أخرى كان يخشاها أكثر: كاميرا المجتمع. كان ابن بيئة محافظة ترى أن التمثيل لا ينسجم مع صورتها الاجتماعية، وأن ظهور الرجل ممثلاً قد يصبح حديثاً للناس. وعندما استغرب حاتم علي موقفه وقال له: «شو هالتخلف يا رجل... ألست شاعراً؟»، أجابه الروابة بأن الشعر في بيئته له منزلة مختلفة، فهو مرتبط بالفروسية والفرسان والشيوخ والأمراء، ويحمل إرثاً اجتماعياً لا يشبه صورة الممثل في ذلك الوقت. وأضاف أن العمل الذي يقومان عليه هو مسلسل من رؤية وأشعار الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بما يمثله الشعر في هذا السياق من قيمة ومكانة.
كانت المفارقة أن شاعراً خاف من أداء أربعة مشاهد في مسلسل، بينما لم يكن يعلم أن الأيام ستجعل المجتمع كله يدخل مسلسلاً طويلاً ، لا يحتاج إلى كاميرا ولا إلى مخرج ولا إلى نص مكتوب.
فالمجتمع الذي كان ينظر إلى الممثل بشيء من الحرج، لأنه يؤدي شخصية ليست شخصيته، أصبح اليوم يمارس التمثيل في تفاصيل حياته اليومية. لم يعد الأمر مرتبطاً بالمسرح أو الشاشة؛ فقد انتقل الدور إلى الشارع، وأصبح لكل موقف شخصية، ولكل مجلس خطاب، ولكل جمهور وجه مناسب.
الممثل الحقيقي ربما كان أكثر صدقاً من كثيرين، لأنه يعترف بأنه يؤدي دوراً . يدخل إلى الاستوديو وهو يعرف أن هناك شخصية اسمها ليس اسمه، وحياة ليست حياته، ثم يعود بعد انتهاء التصوير إلى ذاته. أما بعض الناس خارج الشاشة فقد أتقنوا الأدوار إلى درجة أنهم لم يعودوا يعرفون أين تنتهي الشخصية وأين يبدأ الإنسان.
صرنا نرى من يرتدي الحكمة عند الحديث، ثم يخلعها عند أول خلاف، ومن يرفع راية المبادئ ما دامت لا تعترض طريق مصلحته، ومن يتحدث عن التواضع وهو ينتظر من الآخرين أن يصفقوا له. لم تعد الأقنعة وسيلة لإخفاء الوجه، بل أصبحت أحياناً الطريقة الوحيدة لتقديمه.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن المجتمع الذي كان يرى في التمثيل عيباً، أصبح اليوم يكافئ أفضل من يجيده. لم يعد السؤال: من يقول الحقيقة؟ بل: من يستطيع تقديم النسخة التي يريد الآخرون تصديقها؟
حتى وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح مفتوح، الجميع يقدمون أجمل ما لديهم، ولا أحد يعرض المشهد الذي يفضح ضعفه أو خوفه أو تناقضه. أصبح الإنسان مخرجاً وممثلاً وجمهوراً في الوقت نفسه، يكتب المشهد، يؤديه، ثم يصفق لنفسه.
ومع ذلك يبقى الفرق كبيراً بين الممثل ومن يمارس التمثيل في حياته. فالممثل يعرف أن هناك لحظة ينتهي فيها التصوير، أما الآخر فقد يستمر في الدور حتى يصبح القناع جزءاً من ملامحه.
وربما لو عاد حاتم علي اليوم ليبحث عن ممثلين لمسلسل جديد، لما احتاج إلى اختبارات أداء طويلة ، كان يكفيه أن يخرج إلى الشارع ويطلب ممن يجيدون أداء الأدوار أن يتقدموا، وسيجد كثيرين. فالمشكلة لم تعد في ندرة الممثلين، بل في ندرة الذين ما زالوا قادرين على العودة إلى أنفسهم بعد انتهاء المشهد.
لقد نجا أسعد الروابة يومها من أربعة مشاهد أمام الكاميرا، لكن أحداً تقريباً لم ينجُ من المشهد الطويل الذي بدأ بعد أن أُطفئت الكاميرات.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن

دراسة نقدية في جدلية المكان والزمان وبلاغة التيه لقصيدة سكة الضور للكاتبة روعة سنوبر..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد

الإيحاء في أدب القصة السودانية..!! انس بابكر محمد
الثقافة والأدب

قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال

قراءة في جمالية الانهيار الرمزي في قصيدة "احتمالات" للشاعرة السورية: روعة سنوبر..!! سعيد محتال
الثقافة والأدب

عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!

عَودٌ على روايات الكاتبة: مهى قباني قراءة: جدوى عبود ..!!
الثقافة والأدب

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي

الرئاسة القبلية بين الجينات الوراثية والفعل الأخلاقي...!!عبدالكريم العفيدلي
الثقافة والأدب

قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!

قراءة للقصيدة الحزينة *رقصات فوق غبش القبر* للأستاذة الشاعرة: *نجاة رجاح..طه عبد الرحمن!!
الثقافة والأدب

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر
الثقافة والأدب

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ «الساكن الآخر» للقاصِّ المبدعِ "عدنان لفته السماوي"..!! ليلى صليبي


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...