عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

أ. ملاك صالح صالح
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
ملاك صالح صالح*
في الكثير من البيوت العربية، يُغلق المراهق بابه فجأة، وكأن هذا الباب الخشبي يتحول إلى جدار بينه وبين أسرته، قد يُفسر الأهل بأن هذا الفعل على أنه تمرد أو عصيان، لكن الحقيقة هو أعمق بكثير..
إغلاق الباب ليس مجرد فعل مادي، بل هو رسالة صامتة تعبّر عن حاجة المراهق لمساحة خاصة، أو عن ألم داخلي لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات.
لماذا يغلق المراهق بابه؟
يعبر المراهق في مرحلة حرجة من نموه، حيث يمرّ الدماغ بتغيرات كبيرة تؤثر على طريقة تفكيره وعواطفه، فالقشرة الأمامية من الدماغ التي تتحكم في ضبط النفس واتخاذ القرارات وهي لا تزال في طور النمو، بينما تزداد قوة النظام العاطفي الحوفي، مما يجعل المراهق يتفاعل بسرعة وبشدة عاطفية، بجانب ذلك، يواجه ضغوط الدراسة، والتوقعات الاجتماعية، ورغبة ملحة في الاستقلال، مقابل رقابة صارمة أحيانًا من العائلة، لذلك
قد يُغلق بابه:
ليبحث عن مساحة هادئة بعيدًا عن الضغوط.
ليُعبر عن ألم داخلي لا يعرف كيف يبوح به.
كصرخة صامتة لشعوره بالعزلة أو عدم الفهم.
أو كحماية لذاته من النقد والمقارنة المستمرة.
كيف يفهم الأهل هذا التصرف؟
في كثير من الأحيان، يُفسّر إغلاق الباب كرفض أو تمرد، فيرد الأهل بغضب أو توبيخ، ما يزيد في اتساع المسافة بين الطرفين، لكن هذا التصرف ليس أزمة تمرد فقط، بل هو أزمة تواصل وحوار مفقود..
المراهق لا يرفض حوار أهله بالضرورة، لكنه قد لا يجد طريقة للتعبير عن مشاعره، أو يخشى أن يُحكم عليه.
كيف يمكن فتح باب الحوار مجددًا؟
فتح الحوار مع المراهق لا يبدأ بكسر الباب أو إجباره على الكلام، بل يبدأ بالاستماع الحقيقي والاحتواء:
استمع بلا حكم أو نقد.
احترم مشاعره مهما كانت.
كن حاضرًا معه بهدوء ولا تفرض الحوار، بل أفسح له المجال للعودة إليك..
استخدم عبارات مثل: "أنا هنا إذا أردت التحدث"، دون ضغط.
ابحث عن لحظات مشتركة بسيطة مثل مشاهدة فيلم أو تحضير وجبة، لبناء علاقة جديدة على أساس الثقة.
توازن الحزم والاحتواء
لا يعني التفهم التساهل، ولا يعني الحزم القسوة.. يحتاج المراهق إلى حدود واضحة ومحبّة في نفس الوقت، أن يعرف ما هو مقبول وما هو غير مقبول، مع شعوره الدائم بأن أهله معه لا ضده.
دور المدرسة والمجتمع
المراهق يتشكل في بيئات متعددة خارج البيت، ويحتاج إلى مساحات آمنة في المدرسة والمجتمع ليعبّر عن نفسه دون خوف من التوبيخ أو السخرية. لذلك، على الجميع أن يطوّروا مهارات الاستماع والتفهم، ويوفروا أنشطة تعبيرية وداعمة.
مثال واقعي:
كان هناك شاب يملأ المنزل ضحكًا وحيوية، ثم بدأ فجأة يغلق بابه بعنف، لم يفهم والديه السبب، فزادوا من توبيخه..
ففي أحد الأيام جلس الأب بجوار الباب بهدوء، وضع كوب شاي قربه، وهمس:
"أنا هنا، لا تحتاج أن تقول شيئًا الآن، فقط أعرف أنني لن أرحل."
بدأ الشاب يشعر بالأمان تدريجيًا، وفتح الباب ببطء، وبدأ يشارك والديه همومه، لم يكن الأمر تمردًا، بل صرخة لطلب الدعم والاحتواء.
ختاما عزيزي القارئ
من الجيد أن تعرف، إغلاق الباب ليس نهاية العلاقة، بل بداية جديدة إذا عرفنا كيف نستجيب له برقة وصبر، فالمراهق يحتاج أن يرى أن وراء الباب المغلق قلبًا مفتوحًا، وأذنًا صاغيةً، ويدًا تمدّ بلطف...
ليستمع ويُسمع، ويحاور ويُحاور، دون خوف أو ضغط.
*أخصائية علم نفس وكاتبة فلسطينية/ فيينا.


كلمات البحث
إقرأ أيضًا
لغة الغربة... حين تصبح الكلمات غريبة عنّا!!..
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...