الوضع الداكن

لغة الغربة... حين تصبح الكلمات غريبة عنّا!!..

لغة الغربة... حين تصبح الكلمات غريبة عنّا!!..
أ. ملاك صالح صالح

 

لغة الغربة... حين تصبح الكلمات غريبة عنّا!!..

 

أ. ملاك صالح صالح*

 

بين صعوبة التعلّم، وصوت لا يجد منفذًا للخروج مضت عشر سنوات في الغربة، عشر سنوات من المحاولة، من الدراسة، من الجهد، لكن اللغة ما زالت تُفلت من لساني، كأنها لا تريد البقاء.

وأنا لست وحدي في هذا، بل هناك نساء كثيرات مثلي، يحملن الهمّ ذاته، الشعور ذاته:

لماذا لا نستطيع اتقان اللغة رغم كل محاولاتنا؟

ما الذي يمنعنا من "الانتماء اللغوي" إلى هذا البلد؟

 

تعلم اللغة في الغربة: ليس مجرد قواعد

اللغة ليست فقط أصواتًا تُحفظ، أو جملًا تُكرّر، هي ارتباط نفسي، اجتماعي، ثقافي وحين نكون مغتربين، لا نتعلم اللغة في صفّ محايد، بل نتعلمها وسط:

شعور بالحنين، حمل ثقيل من المسؤوليات ونظرات أحيانًا لا تتفهّم وإحساس دائم بأننا "مختلفون"

حواجز لا تُرى… لكنها تقبض بالشعور.

 

الدراسات النفسية

 (مثل رسالة COFER 2024) تؤكد أن العمر، والتجربة النفسية، والظروف الاجتماعية، كلها تؤثر في قابلية تعلم اللغة.

  1. 1. كبر السن

كلما تقدم الإنسان في العمر، أصبح الدماغ أكثر تحفظًا تجاه التغيير..

لكنه لا يتوقّف عن التعلم، بل فقط يحتاج لطرق أكثر مرونة، وصبرًا، وارتباطًا بالواقع.

  1. 2. المهام العائلية والضغط الذهني

المرأة المغتربة غالبًا ما تكون مسؤولة عن البيت، الأطفال، وربما العمل..

وقتها المخصّص للتعلّم محدود، وعقلها مشغول بالتزامات كثيرة، وبذلك تصبح اللغة "عبئًا إضافيًا" لا "نافذة حرية".

  1. 3. العوامل النفسية والاجتماعية

الخوف من الخطأ

الخجل من اللكنة

الإحساس بعدم الانتماء

كلها تصنع حاجزًا داخليًا أقوى من أي قاعدة لغوية.

  1. 4. طبيعة المجتمع المضيف

اللغة ليست فقط "ما ندرسه"، بل "ما نُسمح أن نمارسه".

حين لا نجد مساحة آمنة للحديث، ولا صدورًا تتفهّم تلعثمنا، يبقى الكلام حبيس القلب.

 

اختلاف المسميات… وعمق الصدمة الثقافية

في الغربة، لا نترجم فقط الكلمات، بل العادات، الإشارات، العلاقات.

نكتشف أن كلمة "أسرة" هنا لا تعني ما كنا نعرفه، وأن "الخصوصية" مفهوم مختلف، وأننا لسنا فقط نتعلم لغة جديدة، بل نحاول العيش داخلها… والنجاة من الصدمة الأولى.

 

بين الواقع والحلّ: ماذا يمكننا أن نفعل؟

لا توجد وصفة سحرية، لكن يمكننا بناء خطوات حقيقية:

  1. تعلّم نابع من الحياة، لا من الكتب فقط

استخدمي اللغة في السوق، في اللعب مع الأطفال، في المحادثات اليومية البسيطة.

اجعلي اللغة تنمو في التربة التي تعيشين فيها، لا في صفحات بعيدة عنكِ.

  1. 2. بيئة آمنة نفسيًا

شاركي في مجموعات تعلم لغوي نسائية، آمنة، غير قائمة على التقييم أو السخرية.

  1. 3. لا للعار… نعم للتكرار

من الطبيعي أن نخطئ، ننسى، نرتبك.

لكن الخوق  من الخطأ هو أكبر عدو للتعلّم.

  1. 4. الاعتراف بالمجهود، لا فقط بالنتيجة

حتى إن لم تصل بعد، توقف لحظة لتري كم تقدّمتِ… كم فهمتِ، وكم قاومتِ.

 

صوتك يستحق أن يُسمع

هذه ليست فقط قصة لغتك، بل قصة انتمائك، وهويتك، وقدرتك على أن تكون "مرئي" و"مسموع  انت قادر على كل شيئ..

تعلم اللغة هو أيضًا حق إنساني، وحق عاطفي، وحق في التعبير عن الذات في بلد اختلفت فيها الجنسيات ولا سبيل فيها للتواصل الا عبر اللغة

ختاما  أصدقائي  ومن قلب معاناتي شخصيا مع اللغه احب ان أقول لكم:

ليست كل الصعوبات ضعفًا، أحيانًا، ما نراه "تعثّرًا في اللغة" هو في الحقيقة ندبة من الغربة، وذاكرة لم تجد مكانًا لتُترجم.

لكن حين تجد مساحة تشبهكِ، وأذنًا لا تحكم، وقلبًا يشبه قلبكِ..

سيبدأ لسانكِ في الحديث، ليس فقط بلغة البلد… بل بلغة القلب أيضًا.

 

 

*كاتبة فلسطينية اخصائية علم نفس/ فيينا.


كلمات البحث

إقرأ أيضًا


الاكثر شهرة

أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

تابعونا


جارٍ التحميل...