الوضع الداكن

أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات

أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات
د. تمام كيلاني

 

أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات

د. تمام كيلاني*

 

مقدمة

تشكل سوريا واحدة من أكثر الدول العربية تعقيدًا على مستوى التركيبة الاجتماعية والدينية والمذهبية. فمنذ الاستقلال وحتى اليوم، بقيت مسألة “الدولة الوطنية” معلقة بين خطاب قومي وحدوي يرفع شعار تجاوز الطوائف والأعراق، وبين واقع اجتماعي-سياسي تَحكمه الانتماءات الأولية (الطائفة، العشيرة، المنطقة).

الأزمة تعود جذورها إلى لحظة تشكل الدولة الحديثة، لكنها تعمقت مع دخول حزب البعث إلى السلطة وصعود نظام الأسد، الذي أعاد صياغة العلاقات بين الأكثريات والأقليات بما يخدم استمراره.

 

قبل شعارات القومية: فسيفساء متعايشة

      -المجتمع السوري قبل خمسينيات القرن الماضي كان متنوعًا، يضم مسلمي سنة، علويين، دروزًا، إسماعيليين، مسيحيين، وأكرادًا.

      -رغم التباينات، لم تكن الهويات الطائفية في الحياة العامة متقدمة على الهوية الوطنية. الأحزاب الأولى مثل الكتلة الوطنية ركزت على الاستقلال عن فرنسا وبناء دولة لجميع السوريين.

      -الطائفية لم تكن غائبة تمامًا، لكنها لم تكن محركًا رئيسيًا للصراع السياسي. كانت أشبه بـ “وعي كامن” يظهر في لحظات الأزمات

 

أزمة الدولة الوطنية في سوريا بين الأكثريات والأقليات

 

منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي (1946)، ظلّ سؤال “الدولة الوطنية” معلقًا بين مشروع جامع لكل السوريين، وبين سياسات سلطوية غذّت الانقسامات.

الكتلة الوطنية في بدايات الدولة حاولت أن تؤسس هوية وطنية عابرة للطوائف، لكن لاحقًا، ومع وصول حزب البعث ثم حكم الأسد، تحولت الدولة إلى كيان سلطوي يقوم على مزيج من القومية الشمولية والطائفية السياسية، ما أدى إلى توسيع الفجوة بين الأكثريات والأقليات.

 

الكتلة الوطنية وبذور الهوية الجامعة

      -الكتلة الوطنية (1927–1946) كانت التجربة الأبرز في بناء مشروع وطني جامع ضد الانتداب الفرنسي.

      -مثّلت مختلف المكونات السورية، حيث شارك في قيادتها:

  • المسلمون السنة: هاشم الأتاسي - حمص  (رئيس أول جمهورية بعد الاستقلال)، سعد الله الجابري- حلب  (زعيم حلب ورئيس وزراء)، عبد القادر الكيلاني (حماه)

      المسيحيون: فارس الخوري (شخصية فذة، أصبح رئيس وزراء ورئيس برلمان، وكان رمزًا لوحدة السوريين)، نعيم أنطاكي.

      الدروز: كان لهم دور بارز عبر التحالف مع الوطنيين ضد الفرنسيين، خاصة بعد الثورة السورية الكبرى (1925) بقيادة سلطان باشا الأطرش.

      الأكراد: شارك بعض الشخصيات الكردية في الحياة السياسية، وكانوا جزءًا من النسيج الوطني دون تمييز واضح.

      هذه المرحلة تميزت بأن الانتماء الوطني طغى على الهويات الطائفية. لم يكن السوري يُعرّف نفسه أولاً كعلوي أو سني أو مسيحي أو كردي، بل كوطني سوري.

      -حتى أن فارس الخوري المسيحي مثل سوريا في الأمم المتحدة، وصعد المنبر ليخاطب العالم كرمز لعروبة واستقلال سوريا، وهذا كان يعكس روح تلك المرحلة.

 

انهيار التوازن وصعود حزب البعث

      -بعد الاستقلال، دخلت سوريا مرحلة اضطرابات: انقلابات عسكرية (حسني الزعيم، سامي الحناوي، أديب الشيشكلي) أدخلت الجيش لاعبًا أساسيًا.

      -عام 1963، نفذ حزب البعث انقلابًا عسكريًا، رافعًا شعارات القومية والوحدة والحرية والاشتراكية.

      -لكن عمليًا، البعث أحدث انقلابًا اجتماعيًا وسياسيًا:

      -إقصاء النخب السنية المدينية (دمشق وحلب خصوصًا) التي كانت عماد الكتلة الوطنية.

      -فتح المجال أمام كوادر ريفية وأقليات (علويين، دروز، إسماعيليين) للسيطرة على مفاصل الدولة، خصوصًا في الجيش والأمن.

      -استُخدم خطاب القومية العربية لتغطية هذا التحول، لكن البعد الطائفي ظل حاضرًا في الكواليس.

 

عهد الأسد وتوسيع الفجوة

      -مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم (1970)، تم تثبيت معادلة جديدة:

  1. تعزيز دور الطائفة العلوية في الجيش والمخابرات، بحيث أصبحت العمود الفقري للنظام.
  2. فتح المجال لدرزي أو إسماعيلي أو مسيحي في مواقع سياسية رمزية لإظهار “التنوع”، لكن القرار الحقيقي ظل بيد الحلقة الأمنية–العسكرية الضيقة.
  3. تغييب السنة سياسيًا: تم سحق القوى الإسلامية، وإضعاف النخب السنية التقليدية اقتصاديًا وسياسيًا، ما عزز شعورًا متزايدًا بالاغتراب لدى الأكثرية.

      -لم يعلن النظام نفسه طائفيًا، لكنه استخدم الطائفية كأداة حكم: تخويف الأقليات من الأكثرية، وتخويف الأكثرية من “الانتقام الطائفي”، لتبرير وجوده كـ”ضامن للاستقرار”.

      -هذا كله أدى إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية: لم تعد قائمة على المساواة كما في زمن الكتلة الوطنية، بل على شبكة ولاءات أمنية وطائفية واقتصادية مرتبطة بالنظام.

 

النتيجة: وطن غائب ودولة مأزومة

      -في مرحلة الكتلة الوطنية، كانت سوريا مثالًا لمحاولة تجاوز الطائفية عبر مشروع جامع لكل المكونات.

      -مع البعث ثم الأسد، تم تقويض هذا المشروع: سُحق دور السنة كأغلبية سياسية، وبرز دور الأقليات في الأجهزة الأمنية والعسكرية، ليس بوصفها شريكًا وطنيًا متساويًا، بل كأداة بيد السلطة.

      -تراكمت هذه التناقضات حتى انفجرت مع ثورة 2011، حيث ظهرت الانقسامات التي طالما استثمر فيها النظام.

 

خاتمة

 

التجربة السورية تكشف أن الوطنية لا تُبنى بالشعارات القومية ولا بالتحكم الأمني، بل عبر المواطنة المتساوية. الكتلة الوطنية جسدت هذا المبدأ في بدايات الدولة، لكن البعث ثم نظام الأسد أجهضاه، وحولا سوريا إلى ساحة انقسامات تُدار بالقوة بدل التوافق.

وبالتالي، فإن الخروج من الأزمة يتطلب العودة إلى روح الكتلة الوطنية: دولة لجميع أبنائها، يتساوى فيها السني والعلوي والدرزي والمسيحي والكردي، لا على أساس محاصصة أو طائفية، بل على أساس عقد اجتماعي جديد.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا/ فيينا


كلمات البحث

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات

فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات
بوابة فيينا

فحص العيون مع بداية العام الدراسي الجديد

فحص العيون مع بداية العام الدراسي الجديد
بوابة فيينا

الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص

الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص
بوابة فيينا

“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية

“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية
بوابة فيينا

التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول

التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
بوابة فيينا

كفاكم هزوا أيها المدونون وأنصاف الصحفيين!

كفاكم هزوا أيها المدونون وأنصاف الصحفيين!
بوابة فيينا

سوريا الجديدة: لحظة الانتصار ومسؤولية البناء

سوريا الجديدة: لحظة الانتصار ومسؤولية البناء


الاكثر شهرة

أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

تابعونا


جارٍ التحميل...