هل نصنع وطناً جديداً في الغربة، أم نظل ضيوفاً مهما طال البقاء؟ د. تمام كيلاني

د.تمام كيلاني

هل نصنع وطناً جديداً في الغربة، أم نظل ضيوفاً مهما طال البقاء؟

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

قال أمين معلوف: «ما إن نغادر البلد الذي وُلدنا فيه، حتى نشعر أننا ضيوف في بقية العالم».

ويُروى عن فيكتور هوغو قوله: «في كل مكان أحب فيه الإنسان، وبكى وتألم، يكون في بيته».

وبين هاتين الفكرتين تقف حكاية السوريين، بكل ما فيها من وجع المنفى، ومرارة الاقتلاع، وحنين لا تهزمه السنوات. فهل نستطيع أن نصنع وطناً جديداً في الغربة؟ أم أننا، مهما طال بنا المقام، ومهما امتلكنا من بيوت وأعمال وأوراق إقامة وجنسيات، سنظل نحمل في أعماقنا شعور الضيف الذي لم ينسَ بيته الأول؟

الحقيقة أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، ولا عنواناً نكتبه على الأوراق الرسمية، ولا جواز سفر نحمله في المطارات. الوطن هو تلك الطمأنينة التي لا تحتاج إلى تفسير، وذلك الشعور العميق بأنك لست مضطراً إلى إثبات حقك في الوجود، وأن لك في هذه الأرض جذوراً تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المكان. الوطن هو أن تمشي في شوارعه فلا تشعر أنك عابر سبيل، وأن تسمع لهجتك فلا تلتفت حولك بحثاً عن وجه يشبهك، وأن تنادي أسماء الأماكن فتنهض في داخلك ذاكرة العمر كله.

نحن السوريين لم نغادر وطننا لأننا مللنا رائحته، ولا لأننا ضقنا بترابه، ولا لأن العالم الواسع أغرانا ببريقه. غادرناه، قليلٌ منا بإرادته، وكثيرٌ منا مكرهاً، هرباً من الخوف، وطلباً للأمن والأمان، وخشيةً من بطش نظام الأسدين الذي جعل من الوطن، في نظر كثيرين، مكاناً يخشون فيه على حياتهم أكثر مما يخشون عليه من أعدائه.

خرجنا ونحن نحمل مفاتيح البيوت، وصور الأحبة، وذكريات الطفولة، وأسماء الشوارع التي نشأنا فيها. خرجنا على أمل أن تكون الغربة محطة مؤقتة، فإذا بالمؤقت يمتد عاماً بعد عام، وإذا بالحقائب التي أعددناها للعودة تتحول إلى حقائب مؤجلة، وإذا بالأبناء يكبرون بعيداً عن حاراتنا، ويتعلمون لغات جديدة، ويصنعون ذكرياتهم الأولى في بلاد لم تكن يوماً جزءاً من أحلامنا الأولى.

أربعة عشر عاماً وأكثر، ونحن نعيش على ضفتين: أجسادنا في بلاد اللجوء والاغتراب، وأرواحنا معلقة بسوريا. نبني حياتنا هنا، نعمل، نتعلم، ننجح، ونحاول أن نكون جزءاً من المجتمعات التي احتضنتنا، لكن شيئاً في داخلنا ظل عصياً على الاستقرار الكامل. كأن في أعماق كل واحد منا نافذة مفتوحة على وطن بعيد، لا يغلقها انشغال الحياة، ولا تطفئها الأيام، ولا تنجح المسافات في محو ما وراءها.

وليس في ذلك انتقاص من البلدان التي استقبلتنا، ولا إنكار لفضل من فتح لنا أبوابه حين أُغلقت في وجوهنا أبواب كثيرة. لقد وجد كثيرون منا في الغرب ملاذاً آمناً، وكرامةً افتقدوها، وفرصاً أعادت إليهم القدرة على الحلم. ومن الإنصاف أن نعترف بأن الإنسان يستطيع أن يحب أكثر من مكان، وأن يجد في بلاد الغربة أصدقاء وأحبة، بل وأن يشعر فيها بالانتماء الحقيقي.

لكن ثمة فرقاً بين أن تحب بلداً، وأن تشعر بأنك ابن هذا البلد منذ البداية. فرقٌ بين أن تجد مكاناً يحميك، ومكانٍ تشعر أن لك فيه جذوراً لا تحتاج إلى تبرير. وفرقٌ بين أن تعيش بأمان في بيت جديد، وأن تعود إلى البيت الذي ظل يسكنك حتى وأنت بعيد عنه.

ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه المشهد، وانفتح أمام السوريين بابٌ طال انتظاره. سقط حكم الأسدين، وتحررت سوريا من ذلك الكابوس الذي أثقل حياة السوريين لعقود. وفجأة، لم تعد العودة مجرد أمنية نتداولها في جلسات الحنين، أو حلماً نؤجله إلى أن تتحسن الظروف؛ بل أصبحت احتمالاً حقيقياً، وسؤالاً يطرق أبواب البيوت في الغربة: ماذا لو عدنا؟

هنا اكتشف كثيرون منا أن علاقتنا بسوريا لم تكن مجرد تعلق بالماضي، ولا حنيناً إلى أيام الطفولة، ولا استسلاماً لنوستالجيا تعيد تجميل ما كان. لقد كان في داخلنا شيء أعمق من ذلك كله؛ حاجة إلى أرض لا نشعر فوقها أننا غرباء، وإلى مكان نستطيع أن نقول عنه، من دون تردد أو خوف: هذا وطني، وهذه أرضي، وهنا أريد أن أعيش بكرامتي.

نعم، سوريا اليوم ليست بلداً انتهت مشكلاته بمجرد التحرير. فما خلّفته سنوات الاستبداد والحرب والدمار أكبر من أن تصلحه الأيام وحدها. هناك بيوت مهدمة، ومدن مثقلة بالجراح، واقتصاد منهك، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، وحقوق ينبغي أن تُصان، وثقة تحتاج إلى أن تُستعاد، وجراح نفسية لا يعرف عمقها إلا من عاشها. وهناك أسئلة كثيرة تنتظر إجاباتها، وتحديات لا يجوز التقليل من شأنها.

لكن، رغم كل ذلك، ثمة فرق هائل بين أن تعيش في وطن تخشى فيه من سلطته، وأن تعيش في وطن تتطلع إلى أن تبنيه. فرق بين أن تكون العودة إلى بلادك مخاطرة بحياتك، وأن تصبح العودة أملاً في استعادة حياتك. فرق بين أن تحمل جواز سفرك خوفاً من أن يُسلب منك الأمان، وأن تحمل حقيبتك شوقاً إلى أن تضع قدميك على أرض تعرفها، وتشعر بأنك لم تعد مضطراً إلى الاعتذار عن وجودك فيها.

إن أعظم ما يمكن أن يمنحه الوطن لأبنائه ليس رغيف الخبز وحده، ولا فرصة العمل وحدها، ولا حتى الاستقرار المادي؛ بل أن يمنحهم الشعور بالأمان، وأن يكفّ عن كونه مصدر خوفهم.

ولهذا، قد يختلف السوريون في قرار العودة. فهناك من سيعود فوراً، وهناك من يحتاج إلى وقت لترتيب حياته، وهناك من ارتبط أبناؤه ببلاد الغربة، وهناك من لا يستطيع أن يترك عملاً أو عائلة أو حياة بناها بصعوبة على مدى سنوات طويلة. وكل هذه الخيارات مفهومة، ولا يجوز أن يتحول الحنين إلى الوطن إلى وسيلة لجلد من بقي في الخارج، أو التشكيك في محبته لسوريا.

فليس كل من بقي في الغربة قد نسي وطنه، وليس كل من عاد أكثر حباً له. وليس من العدل أن نقيس الانتماء بعدد الأمتعة التي حزمناها، أو بتذاكر السفر التي اشتريناها، أو بعدد الصور التي ننشرها أمام البيوت القديمة. فثمة من يخدم وطنه من بعيد، ويحمل همّه في قلبه، ويسهم في بنائه بما يستطيع، وثمة من يعود بجسده بينما تبقى مسؤولية البناء أكبر من مجرد العودة.

المهم ألا تتحول الغربة إلى قطيعة، وألا يصبح الوطن ذكرى نستهلكها في الأحاديث ثم نتركها تواجه مصيرها وحدها.

إن سوريا التي نحلم بالعودة إليها ليست سوريا التي كانت قبل الثورة، ولا سوريا التي رسمتها لنا الذاكرة وحدها. نحن لا نريد العودة إلى وطنٍ يُخاف فيه من الكلمة، ولا إلى دولةٍ يشعر فيها المواطن أن كرامته مرهونة برضا مسؤول، ولا إلى حياةٍ يضطر فيها الإنسان إلى الهرب كي يحمي أبناءه.

نريد سوريا جديدة؛ دولةً تحمي مواطنيها ولا ترهبهم، وقانوناً يتساوى أمامه الجميع، ووطناً لا يُسأل فيه الإنسان عن ولائه لشخص، بل تُصان فيه حقوقه بوصفه مواطناً. نريد بلداً يستطيع فيه أبناؤنا أن يحلموا من دون أن يضطروا إلى مغادرته بحثاً عن مستقبل، وأن يختلفوا من دون أن يخافوا، وأن يعيشوا من دون أن تكون الكرامة امتيازاً أو الأمان منّة.

فإذا عدنا إلى سوريا، فلا ينبغي أن تكون عودتنا مجرد استعادة للجغرافيا، بل استعادة للمعنى. لا نريد أن نستبدل غربة المكان بغربة الإنسان في وطنه، ولا أن نعود إلى الحدود ثم نكتشف أن أسباب الرحيل ما زالت تسكن تفاصيل الحياة. نريد وطناً يتسع لجميع أبنائه، على اختلاف آرائهم ومناطقهم ومعتقداتهم، وطناً لا يطلب من أحد أن يتخلى عن نفسه كي يقبل به.

أما السؤال الذي بدأنا به: هل نصنع وطناً جديداً في الغربة، أم نظل ضيوفاً مهما طال البقاء؟

لعل الإجابة أن الإنسان يستطيع أن يصنع في الغربة حياةً كاملة، وأن يجد فيها الحب والصداقة والنجاح والكرامة، وأن يحوّل البيت المستأجر إلى بيت مليء بالدفء، والمدينة البعيدة إلى مكان عزيز على قلبه. لكنه لا يستطيع دائماً أن يمنع وطنه الأول من النداء، ولا أن يختار كل ما يتعلق بذاكرته وجذوره.

قد نصنع وطناً من الناس الذين نحبهم، ومن التفاصيل التي نألفها، ومن الأمان الذي نجد فيه. وقد تصبح بلاد الغربة جزءاً أصيلاً من حكايتنا، لا محطة عابرة فيها. لكن ثمة فرقاً بين وطن اخترناه لننجو، ووطن تمنينا أن نعيش فيه منذ البداية من دون خوف.

والآن، بعدما فُتح باب العودة أمام السوريين، لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كنا سنعود، بل أصبح أيضاً: أيَّ وطن سنعود إليه، وأيَّ وطن سنبني بأيدينا؟

فالوطن لا يُستعاد بمجرد عبور الحدود، ولا يُبنى بالحنين وحده. يُستعاد حين يصبح آمناً لأبنائه، ويُبنى حين يشعر كل مواطن أن له فيه مكاناً وحقاً ومستقبلاً.

وربما كانت أجمل لحظة يعيشها المغترب ليست لحظة وصوله إلى المطار، ولا لحظة رؤيته بيته القديم، بل تلك اللحظة التي يكتشف فيها أنه لم يعد مضطراً إلى الاختيار بين كرامته ووطنه، ولا بين مستقبله وأرضه، ولا بين سلامته وحقه في أن يعيش حيث يحب.

عندها فقط، لن نعود إلى سوريا بوصفنا زائرين يطوفون على أطلال الذاكرة، ولا لاجئين يستعيدون حقاً سُلب منهم، بل مواطنين يعودون للمشاركة في بناء مستقبل يستحقه أبناؤهم.

لسنا مطالبين بأن ننسى البلدان التي احتضنتنا، ولا بأن نتنكر للحياة التي بنيناها في الغربة. لكن من حقنا أن نحلم بوطن لا نحتاج إلى الهرب منه، ولا نخاف من العودة إليه.

وطنٍ إذا وطئت أقدامنا ترابه، شعرنا أن شيئاً في داخلنا قد عاد إلى مكانه، وأن تلك الطمأنينة التي بحثنا عنها طويلاً لم تكن حلماً مستحيلاً، بل حقاً تأخر كثيراً.

فالغربة قد تمنحنا بيتاً، وقد تمنحنا عملاً وجنسية ومستقبلاً، لكنها لن تستطيع أن تمحو السؤال الذي ظل يرافقنا طوال سنوات الرحيل:

متى نعود؟

واليوم، ربما لم يعد السؤال الأهم: هل سنعود إلى سوريا؟

بل: هل سننجح، نحن السوريين، في أن نجعل من سوريا وطناً لا يضطر أبناؤه إلى مغادرته كي يعيشوا بأمان، ولا يشعرون فيه بالغربة مهما اختلفوا؟

ذلك هو التحرير الذي يكتمل بالبناء، وتلك هي العودة التي تستحق كل هذا الانتظار.

لأن الوطن، في نهاية المطاف، ليس المكان الذي وُلدنا فيه فحسب، بل المكان الذي نستطيع فيه أن نعيش أحراراً، آمنين، مرفوعي الرأس.

وحين يصبح ذلك ممكناً في سوريا، لن نكون قد عدنا إلى وطننا فحسب، بل سنكون قد استعدنا حقنا في أن يكون لنا وطن.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

تعليقات


الاكثر شهرة
ظل!! روعة سنوبر

ظل!!   روعة سنوبر*       حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!

  الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!   عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...

تابعونا


جارٍ التحميل...