ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!

ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!
د. تمام كيلاني

 

ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!

انتهت بولادة سوريا الجديدة:

 

د. تمام كيلاني*

 

لم يكن الثالث والعشرون من شباط / فبراير عام 1966 بداية الحكاية السورية مع الانقلابات والصراع على السلطة، بل كان فصلًا متقدمًا في مسار بدأ قبل ذلك بثلاثة أعوام، يوم دخلت سوريا ما يمكن وصفه بالنفق المظلم مع انقلاب الثامن من آذار عام 1963؛ ذلك الحدث الذي غيّر وجه الدولة والمجتمع، وفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عسكرة السياسة وإغلاق المجال العام.

ما قبل النفق… سنوات الانفصال القصيرة

بعد انهيار تجربة الوحدة بين سوريا ومصر عام 1961، دخلت البلاد مرحلة عُرفت بعهد الانفصال. وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية التي رافقت تلك الفترة، فإنها شهدت مساحة من الحياة السياسية والحريه المفتوحة نسبيًا.

عادت الأحزاب إلى العمل، ونشطت الصحافة، واستعاد البرلمان دوره، وشعر كثير من السوريين بقدر من الأمن والاستقرار بعد سنوات الوحدة التي اتسمت بقمع الحريات وبالمركزية الشديدة.

كانت تلك السنوات القصيرة محاولة لإعادة بناء دولة تقوم على التعددية السياسية والتوازن بين القوى المدنية والعسكرية، وظهرت خلالها آمال بعودة الحياة الدستورية الطبيعية.

لكن تلك التجربة لم تعمّر طويلًا.

الثامن من آذار 1963… بداية النفق المظلم

في صباح الثامن من آذار عام 1963 استولى ضباط مرتبطون بـ حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة عبر انقلاب عسكري أنهى مرحلة الانفصال بالكامل.

بالنسبة للسوريين كان ذلك اليوم نقطة تحول قاسية في تاريخ البلاد؛ إذ لم يكن مجرد تغيير حكومة، بل تغيير طبيعة الحكم ذاته.

أُعلنت حالة الطوارئ، وحُلّت الأحزاب السياسية، وتوقفت الحياة البرلمانية عمليًا. بدأت السلطة تنتقل تدريجيًا من المؤسسات المدنية إلى لجان عسكرية وأمنية مغلقة.

وبسرعة تحولت الدولة إلى ساحة تصفيات سياسية.

شهد الجيش موجة واسعة من التسريحات طالت ضباطًا وطنيين ومهنيين اعتُبروا غير منسجمين مع التوجه الجديد أو غير موالين للقيادة الصاعدة. لم يكن الأمر إعادة تنظيم عسكرية بقدر ما كان إعادة تشكيل للجيش على أساس الولاء السياسي.

ذلك اليوم، الذي يراه كثير من المؤرخين بداية مرحلة جديدة، فتح الباب أمام عقود من الصراع الداخلي والانقلابات المتلاحقة.

من انقلاب إلى آخر… الطريق إلى 1966

بعد استيلاء البعث على السلطة بدأت الخلافات داخل الحزب نفسه تتصاعد. فالصراع لم يعد بين أحزاب مختلفة، بل داخل السلطة ذاتها.

وجاء انقلاب عام 1966 ليحسم المواجهة بين القيادة القومية التقليدية والجناح العسكري الأكثر تشددًا بقيادة صلاح جديد، ليُدخل البلاد مرحلة أكثر صرامة في السيطرة الأمنية.

أصبحت الاعتقالات السياسية جزءًا من المشهد اليومي، وامتلأت السجون بخصوم الأمس وحلفاء الأمس أيضًا.

السجون… حين أصبح الخوف أسلوب حكم

منذ منتصف الستينيات توسعت شبكة الأجهزة الأمنية بصورة غير مسبوقة.

طلاب جامعات، صحفيون، نقابيون، وأصحاب آراء مختلفة وجدوا أنفسهم خلف القضبان. ظهرت محاكم استثنائية، وأصبح الاعتقال دون محاكمة واقعًا متكررًا.

عائلات كاملة عاشت سنوات طويلة تنتظر أبناءها دون خبر، وتحولت السجون إلى عالم موازٍ لا يعرفه إلا من دخله.

لم يعد المواطن يخاف من السياسة فقط، بل من الكلام نفسه.


الحركة التصحيحية وترسيخ الحكم الفردي

استمرت الصراعات داخل السلطة حتى عام 1970 عندما استولى وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد على الحكم.

دخلت البلاد بعدها مرحلة طويلة من المركزية السياسية الصارمة، حيث توسعت الأجهزة الأمنية وتحولت الدولة إلى منظومة مراقبة واسعة.

شهدت الثمانينيات مواجهات دامية داخل المدن السورية بلغت ذروتها في مجزرة حماه التي قادها رفعت الاسد مع ضباط وعصابات السلطه الحاكمه وترسخت خلالها ثقافة الخوف والصمت.

انتقال السلطة واستمرار النهج

عام 2000 وصل إلى الحكم ابنه بشار الأسد وسط آمال بالإصلاح، لكنها سرعان ما تراجعت.

أُغلقت المنتديات السياسية، واستمرت الاعتقالات، وتراكم الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي حتى انفجرت الاحتجاجات عام 2011.

الحرب… حين تحولت سوريا إلى ساحة صراع

تحولت الاحتجاجات إلى حرب واسعة النطاق دمّرت مدنًا وأحياء كاملة.

دخلت روسيا عسكريًا عام 2015، بينما توسع نفوذ القوى المدعومة من إيران، وبرز حضور جماعات مسلحة أبرزها حزب الله.

أصبحت البلاد ساحة صراع دولي مفتوحة، وتعددت مناطق النفوذ.

أكبر موجة تهجير في تاريخ سوريا

لم يعرف السوريون في تاريخهم الحديث موجة نزوح ولجوء بحجم ما حدث خلال سنوات الحرب.

ملايين غادروا بيوتهم نحو دول الجوار وأوروبا، وولدت أجيال كاملة بعيدًا عن مدنها ومدارسها.

تحول اللجوء إلى جرح إنساني عميق، وإلى أكبر عملية اقتلاع اجتماعي شهدتها البلاد.

ولادة سوريا الجديدة

بعد ستة عقود بدأت بانقلاب الثامن من آذار 1963، مرورًا بانقلاب شباط 1966، وصولًا إلى سنوات الحرب الطويلة، تبدو التجربة السورية درسًا قاسيًا في كيف يمكن لانقلاب عسكري أن يعيد تشكيل مصير وطن بأكمله.

لقد انتهت مرحلة طويلة من القهر والسجون والدمار، لكن الطريق نحو سوريا الجديدة لا يزال يحتاج إلى العدالة والمصالحة وإعادة بناء الإنسان قبل الحجر.

فالأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالحرية… ولا تنهض إلا عندما يصبح الرأي حقًا لا تهمة، والمواطنة أساس الحكم لا الولاء .

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا

أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا
بوابة فيينا

بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!

بين النقد والمعرفة: أزمة الحوار داخل الجالية!!
بوابة فيينا

لقاء تشاوري حول شؤون الجالية السورية بالنمسا!!

لقاء تشاوري حول شؤون الجالية السورية بالنمسا!!
بوابة فيينا

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية

مبادرة العلاقة ودورها في بناء الثقة وتعزيز الاستدامة المهنية


الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...