ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
ليس كل سوري خبرًا سيئًا…
عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!!
د. تمام كيلاني*
يكاد لا يمر يوم في النمسا دون أن تتصدر بعض الصحف الشعبوية عناوين تتحدث عن سوري ارتكب جريمة، أو مراهق خالف القانون، أو عائلة تتلقى مساعدات اجتماعية بمبالغ كبيرة. ولا شك أن أي مخالفة للقانون يجب أن تُذكر وأن تُحاسَب وفقًا للقانون، بغض النظر عن جنسية مرتكبها أو دينه أو أصله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هذه هي الصورة الكاملة؟
أين هي قصص آلاف السوريين الذين يستيقظون كل صباح للعمل في المستشفيات والعيادات والصيدليات والمختبرات والجامعات والشركات والمطاعم والمصانع؟ أين هي قصص النجاح التي أصبحت جزءًا من المجتمع النمساوي وأسهمت في اقتصاده ونظامه الصحي؟
لقد أصبح من السهل أن يتحول شاب يبلغ الرابعة عشرة من العمر إلى عنوان رئيسي في صحيفة لأنه ارتكب مخالفة، بينما لا يجد طبيب سوري يعمل منذ عشرين عامًا في خدمة المرضى سطرًا واحدًا يروي قصته. ومن السهل أن يُكتب عن شخص يتلقى مساعدات اجتماعية، بينما لا يُكتب عن آلاف السوريين الذين يدفعون الضرائب والتأمينات الاجتماعية ويشاركون في بناء الاقتصاد النمساوي.
هذه ليست دعوة إلى إخفاء الحقائق، وليست مطالبة بعدم نشر الأخبار السلبية. فالصحافة الحرة يجب أن تنقل الوقائع كما هي. لكن المشكلة تبدأ عندما تُختزل جالية كاملة في أخبار الجريمة فقط، وعندما تتحول الاستثناءات إلى صورة نمطية تطغى على الحقيقة.
إن أكثر من مئة ألف سوري يعيشون اليوم في النمسا. وبينهم أطباء وصيادلة ومهندسون وأساتذة جامعات وأصحاب شركات ورجال أعمال وعمال مهرة وطلاب متفوقون وأصحاب مطاعم ومؤسسات ناجحة. هؤلاء لا يظهرون غالبًا في الصفحات الأولى، رغم أنهم يمثلون الوجه الحقيقي للأغلبية التي تعيش باحترام للقانون وتسهم في المجتمع.
ومن المؤسف أن الخطاب العام، في بعض الأحيان، يختزل مساهمة السوريين في مهن محددة أو في صور نمطية لا تعكس الواقع. والحقيقة أن السوريين موجودون اليوم في مختلف القطاعات، ومن بينها مواقع علمية وطبية وإدارية رفيعة، ويسهمون يوميًا في خدمة المجتمع النمساوي.
وأكتب هذا الكلام ليس من باب الدفاع العاطفي، بل من واقع تجربة شخصية امتدت لعقود داخل النظام الصحي النمساوي.
في عام 2009 تشرفت بتنظيم المؤتمر العلمي لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا، والذي أقيم تحت رعاية نقيب الأطباء النمساويين آنذاك. وما زلت أتذكر كلمته الافتتاحية التي قال فيها، بما معناه، إن الأطباء العرب، والأطباء السوريين على وجه الخصوص، كان لهم دور أساسي في دعم النظام الصحي النمساوي، ولولا جهودهم في مراحل معينة لواجه هذا النظام تحديات كبيرة في الاستمرار بالكفاءة نفسها.
كانت تلك الكلمات شهادة من أعلى مرجعية مهنية طبية في النمسا، وهي تعكس حقيقة يعرفها العاملون في القطاع الصحي. فالأطباء السوريون والعرب لم يكونوا يومًا عبئًا على النظام الصحي، بل كانوا جزءًا من نجاحه، ولا يزالون حتى اليوم يعملون في المستشفيات والعيادات الجامعية ومراكز الأبحاث، ويقدمون خدماتهم يوميًا لآلاف المرضى دون تمييز.
وليس هذا فحسب، بل إن اتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا يواصل منذ أكثر من ثلاثة عقود رسالته العلمية والطبية. ففي كل عام ينظم مؤتمرًا طبيًا دوليًا يجمع نخبة من الأطباء والباحثين من النمسا، ومختلف الدول الأوروبية، والعالم العربي، بهدف تبادل الخبرات، وعرض أحدث الأبحاث، وتعزيز التعاون العلمي بين المؤسسات الطبية.
وهذا العام يعقد الاتحاد مؤتمره الطبي الثالث والثلاثين يومي 3 و4 أكتوبر في فندق Arcotel في فيينا، بمشاركة واسعة من أطباء وخبراء من النمسا وأوروبا والدول العربية. إن استمرار هذا المؤتمر على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا يعكس التزامًا راسخًا بالعلم والتعليم الطبي المستمر، ويؤكد أن الجاليات العربية ليست مجرد جزء من المجتمع، بل شريك في تطويره.
إن المجتمع النمساوي الذي نفتخر بالعيش فيه يقوم على قيم العدالة وسيادة القانون واحترام الإنسان. وهذه القيم تقتضي أن يُحاسب الفرد على أفعاله، لا أن تُحاكم جالية بأكملها بسبب أخطاء أفراد منها.
إن نشر أخبار الجريمة واجب صحفي، لكن نشر قصص النجاح واجب أخلاقي أيضًا. فالتوازن في نقل الصورة لا يخدم السوريين وحدهم، بل يخدم المجتمع النمساوي كله، لأنه يحارب الأحكام المسبقة، ويحد من خطاب الكراهية، ويعزز التماسك الاجتماعي.
إن أوطاننا لا تبنى بالخوف، ولا بالتعميم، ولا بتغذية الانقسام، وإنما تبنى بالإنصاف والحقائق والاعتراف بكل من يساهم في نهضتها.
لقد اختار آلاف السوريين النمسا وطنًا ثانيًا، وعملوا بجد واحترام، وأسهموا في الطب والبحث العلمي والاقتصاد والتعليم وسائر المهن. ومن حق هؤلاء أن تُروى قصصهم أيضًا.
فالعدالة لا تعني أن نذكر الخطأ فقط، بل أن نعترف بالإنجاز أيضًا.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا
*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربيه
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
حيث استحال الوطن فكرة.. صفاء رومايا الحكاية!! ماجدة شريف
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...