“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية

د. تمام كيلاني
“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية
د. تمام كيلاني*
في خضم الدمار والخراب الذي خلّفته سنوات الحرب في سورية، يظل سؤال جوهري يطرق الأذهان: كيف يمكن إعادة بناء وطن جريح يحتاج لكل يد، وكل قلب، وكل فكرة؟
ربما نجد الجواب في آية قصيرة لكنها عميقة المعنى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق: 7].
آية لم تحصر العطاء في المال وحده، بل وسّعت مفهوم “السعة” لتشمل كل ما يستطيع الإنسان تقديمه، مهما بدا بسيطاً.
العطاء.. أبعد من المال
كثيرون يظنون أن العطاء في أوقات الأزمات لا يكون إلا بالمال. لكن النص القرآني يذكّرنا أن السعة قد تكون كلمة صادقة ترفع المعنويات، أو وقتاً يُمنح لمساعدة الآخرين، أو علماً يُعلَّم لأطفال حُرموا مدارسهم، أو جهداً يُبذل في خدمة المجتمع.
حتى الدعاء – وهو أيسر ما يملك الإنسان – يدخل ضمن هذا الإطار الرحب للعطاء.
سورية.. جرح ينتظر سعة أبنائه
اليوم، سورية تحتاج كل أشكال العطاء:
-في الداخل: مدارس مهدمة تنتظر من يعيد إليها أصوات التلاميذ، مستشفيات ومستوصفات تحتاج إلى تجهيزات وأدوية، ودور عبادة تحتاج من يعيد إليها الحياة.
-وفي الخارج: ملايين السوريين المنتشرين حول العالم يملكون القدرة على تحويل أموالهم، خبراتهم، وأفكارهم إلى جسور دعم تُسهم في إعادة بناء وطنهم.
مسؤولية جماعية لا تقتصر على المؤسسات
العمل الخيري والتنموي في سوريا لا يمكن أن يقتصر على المنظمات أو الجهات الرسمية، بل هو مسؤولية جماعية. كل فرد قادر أن يكون جزءاً من الحل عبر:
-تبرع مالي مهما كان صغيراً.
-مبادرة تعليمية أو اجتماعية.
-مشروع طبي أو إنساني.
مشاركة خبرة أو فكرة تغيّر واقعاً.
استرداد الأموال المنهوبة.. خطوة لا بد منها
لكن الحديث عن الإعمار يظل ناقصاً ما لم نواجه الحقيقة المُرّة: عقود طويلة من الفساد ونهب مقدرات الوطن على يد النظام البائد، حيث سُرقت مليارات الدولارات وهُرّبت إلى حسابات خارجية أو استُثمرت في عقارات وممتلكات شخصية.
مهمة الدولة الفتية لن تكتمل إلا بخطوات جادة لاسترداد تلك الأموال المنهوبة، وتطبيق مبدأ “من أين لك هذا؟” على الجميع، من كبار الضباط وأصحاب الرتب العليا، وصولاً إلى أصغر موظف في مؤسسات الدولة.
فالمحاسبة الجادة وحدها قادرة على إعادة الثقة وفتح الطريق أمام إعمار حقيقي قائم على العدل والشفافية.
نحو أفق جديد
إعادة إعمار سوريا ليست مجرد إعادة بناء حجارة، بل إعادة ترميم نفوس أنهكتها المآسي، وبث الأمل في مجتمع يحتاج إلى يقظة وصدق في النوايا.
الآية الكريمة تعطي رسالة واضحة: لكل إنسان دور، ولكل إنسان سعة، فلا أحد معذور عن العطاء.
وسوريا لن تُبنى إلا بأكتاف أبنائها، في الداخل والخارج، بكل ما يستطيعون تقديمه. فما بين التبرع، والمبادرة، والدعاء، واسترداد الأموال المنهوبة، هناك فسحة واسعة للعمل والأمل.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا/ فيينا.
كلمات البحث
إقرأ أيضًا
فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات
الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص
أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات
التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
سوريا الجديدة: لحظة الانتصار ومسؤولية البناء
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...