رجالات من سوريا في القرن الماضي

الرئيس هاشم الاتاسي
رجالات من سوريا في القرن الماضي
هاشم الأتاسي وتاريخ نضاله السياسي: من الإدارة العثمانية إلى رئاسة الجمهورية
د. تمام كيلاني
يُعدّ هاشم الأتاسي من الشخصيات المحورية التي أسهمت في رسم معالم الحياة السياسية السورية في النصف الأول من القرن العشرين. فقد اجتمع في شخصيته عنصران أساسيان من عناصر القيادة الوطنية: الكفاءة الإدارية المستندة إلى تجربة طويلة في الدولة العثمانية، والوعي السياسي المتّقد بقضايا الاستقلال والدستور والدولة الحديثة. لم يكن الأتاسي سياسياً تقليدياً، بل كان رجلاً استثنائياً في زمن التحولات الكبرى، إذ تنقل بين مواقع المسؤولية والإقصاء، لكنه ظل ثابتاً على المبادئ الوطنية التي آمن بها.
أولاً: النشأة والتكوين الإداري في الدولة العثمانية
وُلد هاشم الأتاسي عام 1875 في مدينة حمص السورية، لأسرة أرستقراطية ذات حضور اجتماعي وديني. تلقى تعليمه الأولي في حمص، ثم أُوفد إلى إسطنبول حيث التحق بالمدرسة السلطانية (المدرسة الملكية للإدارة)، وتخرج فيها متخصصاً في الإدارة العامة والهندسة المدنية. هذه الخلفية العلمية أهّلته للالتحاق بالسلك الإداري في الدولة العثمانية، حيث شغل مناصب عدة أبرزها:
قائمقام في عدد من المناطق السورية.
مدير إداري في وزارة الداخلية العثمانية.
ورغم تقلّده هذه المناصب في عهد السلطنة، لم يكن الأتاسي من أنصار السياسات العثمانية ، بل عُرف بتأييده للإصلاحات الدستورية وبميله إلى الدفاع عن حقوق العرب ضمن إطار الدولة العثمانية.
ثانياً: مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى والحكم العربي
مع نهاية الحرب العالمية الأولى وتفكك الدولة العثمانية، شارك الأتاسي في المؤتمر السوري العام وعين رئيسا له والذي انعقد عام 1919 في دمشق، بمشاركة نخبة من الزعامات السياسية والدينية، حيث مثّل المؤتمر أول برلمان وطني سوري بعد العثمانيين.
وفي 8 آذار 1920، أعلن المؤتمر استقلال سوريا الطبيعية (التي شملت آنذاك لبنان وفلسطين والأردن ولواء الإسكندرون) تحت اسم “المملكة السورية العربية”، وتمت مبايعة الأمير فيصل بن الحسين ملكاً.
كلّف الملك فيصل، في مارس 1920، هاشم الأتاسي بتشكيل حكومة سورية عربية، فتولى منصب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. غير أن هذه الحكومة لم تعمّر طويلاً، إذ اجتاحت القوات الفرنسية سوريا بعد معركة ميسلون في تموز من العام ذاته، مما أدى إلى إنهاء الحكم العربي وتنفيذ الانتداب الفرنسي على البلاد. على إثر ذلك، استقال الأتاسي واعتزل الحياة العامة لفترة وجيزة.
ثالثاً: تأسيس الكتلة الوطنية (1927) والقيادة السياسية
في ظل الاحتلال الفرنسي، ونتيجة تعاظم القمع والاحتجاجات الشعبية، تشكّلت عام 1927 الكتلة الوطنية، التي مثلت الجسم السياسي الأبرز في مقاومة الانتداب. كان الأتاسي في طليعة مؤسسي هذه الكتلة، إلى جانب شخصيات بارزة أمثال الشيخ عبد القادر الكيلاني وشكري القوتلي، جميل مردم بك، سعد الله الجابري، ونسيب البكري.وفارس الخوري وابراهيم هنانو ونعيم انطاكي ورياض الصلح والشيخ السرميني
مبادئ الكتلة الوطنية:
النضال السياسي السلمي ضد الانتداب.
الدعوة إلى دولة دستورية ديمقراطية.
تحقيق استقلال وطني كامل.
توحيد الصفوف بين مختلف الطوائف والمناطق.
مثّلت الكتلة الوطنية الإرادة العامة للسوريين، وأصبحت الممثل المعترف به على المستوى المحلي والدولي.
رابعاً: رئاسة الجمهورية وتطورات الحياة السياسية
الولاية الأولى (1936–1939)
أثمر نضال الكتلة عن توقيع معاهدة الاستقلال بين سوريا وفرنسا عام 1936، وعلى إثر ذلك انتُخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية عبر الجمعية التأسيسية. ومن أبرز ما أنجزه خلال هذه المرحلة:
تطبيق دستور عام 1930.
بناء مؤسسات الدولة الوطنية.
تنظيم العمل السياسي في إطار ديمقراطي.
غير أن فرنسا تلكأت في تنفيذ بنود المعاهدة، مما دفع الأتاسي إلى تقديم استقالته عام 1939، احتجاجاً على خرق السيادة السورية.
الولاية الثانية (1949–1951)
بعد الانقلاب الذي قاده سامي الحناوي ضد حسني الزعيم، عاد الأتاسي إلى الحكم، وتم انتخابه رئيساً للجمهورية. سعى خلال هذه المرحلة إلى:
إعادة العمل بالدستور.
تنظيم انتخابات حرة.
تحجيم تدخل الجيش في السياسة.
لكن الانقلاب العسكري الذي نفذه أديب الشيشكلي أدى إلى استقالة الأتاسي عام 1951.
الولاية الثالثة (1954–1955)
في أعقاب سقوط الشيشكلي عام 1954، عُيّن الأتاسي رئيساً توافقياً للدولة، في محاولة لترسيخ التوازن بين القوى السياسية المتصارعة. لم تستمر هذه المرحلة طويلاً، فاستقال في العام التالي، منهياً بذلك مسيرته السياسية الطويلة.
خامساً: الأتاسي والكيلاني – تكامل الزعامة الوطنية
إلى جانب الأتاسي، برز الشيخ عبد القادر الكيلاني، الذي مثل بُعداً دينياً وشعبياً مكملاً للقيادة السياسية. ينحدر الكيلاني من عائلة دينية في حماة، وانتُخب نائباً في البرلمان العثماني ممثلا عن حمص وحماه ( مجلس المبعوثان ) ثم شارك في المؤتمر السوري العام، وكان وزيراً في حكومة تاج الدين الحسني. لعب الكيلاني دوراً بارزاً في تعبئة الأرياف والمدن الداخلية لصالح مشروع الاستقلال، ما جعل منه أحد أقطاب الكتلة الوطنية، إلى جانب الأتاسي.
مثّل الرجلان ثنائية متكاملة بين النخبة الإدارية المتعلمة والقيادة الشعبية المتجذرة، ما أضفى على الحركة الوطنية السورية طابعاً شمولياً جامعاً.
خاتمة
يمثل هاشم الأتاسي، في ذاكرة التاريخ السياسي السوري، نموذجاً للرجل الوطني الذي نذر حياته لخدمة الاستقلال والدستور والدولة. خاض معاركه بهدوء ورصانة، متسلحاً بالمبدأ والشرعية الشعبية، بعيداً عن النزعة الفردية أو الطموحات السلطوية.
لقد ترك إرثاً سياسياً وأخلاقياً ما زال يُستدعى في كل حديث عن القيم الجمهورية والديمقراطية في العالم العربي. وبالعودة إلى سيرته، نستطيع أن نستقرئ أحد أهم فصول الكفاح العربي ضد الاستعمار الأوروبي، ومثالاً حيّاً على القيادة الوطنية الراشدة.
الصورة المرفقة:
الصورة من اليمين إلى اليسار
الاول للاسف لااتذكر اسمه
الثاني من اليمين الشيخ عبد القادر الكيلاني
الشيخ السرميني
رياض الصلح
هاشم الأتاسي
إبراهيم هنانو
فارس الخوري
نعيم انطاكي
سعد الله الجابري
في الصف الأخير الاول على اليمين هو شكري القوتلي
في الصف الاول من اليمين هو جميل مردم بيك
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا.


كلمات البحث
إقرأ أيضًا
الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري
"محمود حامد" الفلسطيني.. ينتظر عروجاً تالياً من "دمشق" إلى "بيسانه"!!..
زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية – نيسان أبريل 2025
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...