الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص

د. تمام كيلاني
الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص
د. تمام كيلاني*
من الخطأ الفادح اختزال الثورة السورية في مقاييس آنية أو مكاسب سياسية محدودة، أو ربط نجاحها وفشلها بما حصده بعض الأشخاص الذين تصدّروا المشهد تحت عنوان “المعارضة”. إن الثورة، في جوهرها، لم تكن يوماً مشروعاً شخصياً أو حزبياً أو منصة لتوزيع المناصب والغنائم، بل كانت انتفاضة شعب بأكمله ضد الاستبداد، وخروجاً واعياً من عباءة الخوف التي كبّلت المجتمع السوري لعقود طويلة.
إن من يشكّك في نجاح الثورة، بدعوى أن بعض المعارضين “خرجوا من المولد بلا حمص”، يسيء إلى معنى الثورة أولاً، ويختزلها في أشخاص ثانياً. فالثورات لا تُقاس بمكاسب الأفراد، وإنما تُقاس بالتحوّل التاريخي الذي تُحدثه في وعي المجتمع وبُناه العميقة. والثورة السورية ـ مهما اختلفنا حول مساراتها وتعثراتها ـ أحدثت ذلك التحول الجوهري الذي لا رجعة فيه.
لقد كان السوري قبل عام 2011 يعيش في فضاء من الصمت المطبق، حيث الخوف من الأجهزة الأمنية يخترق تفاصيل حياته اليومية، وحيث كلمة “حرية” تكفي لأن تجرّ صاحبها إلى غياهب المعتقلات. اليوم، مهما اشتدت الأزمات، ومهما تكاثرت التدخلات، فإن هذا الجدار قد تهاوى إلى غير رجعة. السوري لم يعد ذلك الإنسان الصامت المستسلم، بل أصبح قادراً على أن يقول “لا”، وعلى أن يرفع صوته في وجه كل سلطة جائرة. وهذا ـ بحد ذاته ـ إنجاز تاريخي لا يمكن إنكاره.
لقد أسقطت الثورة فكرة “الأبد” التي حاول النظام أن يزرعها في عقول الأجيال. فالنظام الذي كان يظن أن بقاءه قدراً محتوماً، خرج رأسه في نهاية المطاف من دمشق، وانهار مشروعه في الحفاظ على سوريا كملكٍ خاص يتوارثه الأبناء عن الآباء. ولو لم تكن هناك ثورة، ولو لم تُدفع التضحيات الجسام، لما كان لهذا السقوط أن يحدث.
الثورة أيضاً غيّرت معجم السياسة والمجتمع في سوريا. صارت مفردات الحرية والكرامة والعدالة جزءاً من الخطاب العام، لا يمكن لأي سلطة قادمة أن تتجاهلها. صار الحديث عن المشاركة الشعبية، عن المحاسبة، عن إنهاء الفساد، عن حقوق المرأة والأقليات، كلها قضايا حاضرة بقوة على الطاولة، بعدما كانت من المحرّمات المطلقة.
أما من يتحدث عن الفشل، فلينظر إلى التاريخ: كم من الثورات احتاجت عقوداً حتى تنضج ثمارها؟ الثورة الفرنسية احتاجت قرناً لتستقر على نموذج جمهوري ديمقراطي. أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية عاشت سنوات من الاضطراب والفوضى قبل أن تبدأ بالتحول إلى دول أكثر حرية واستقراراً. التاريخ يعلمنا أن الثورة ليست لحظة واحدة تُقاس بسقوط طاغية، بل مسار طويل تتخلله الانتصارات والإخفاقات، لكن حصيلته النهائية تكون تحرراً وعبوراً إلى مستقبل مختلف.
إننا اليوم أمام مشهد لم يُحسم بعد، لكن المؤكد أن الشعب السوري لم يعد ذلك الشعب الذي يُدار بالعصا والحديد والنار. والسلطات الجديدة ـ أياً كان شكلها ـ مضطرة أن تراعي هذا الوعي الشعبي، لأن أي محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد ستواجه مقاومة ورفضاً واسعاً.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل بعض الحقائق الأساسية التي تجعل من الثورة السورية نصراً حقيقياً، حتى لو طال الطريق نحو التغيير الكامل. أولاً، إن زحزحة نظام الأسد والبعث ومن والاهم من المستفيدين الذين استنزفوا دماء الأمة لأكثر من خمسة عقود، يُعتبر بحد ذاته إنجازاً كبيراً يعكس إرادة الشعب في رفض الاستبداد وإعادة صياغة مصيره.
ثانياً، يجب أن نتذكر أن المؤامرات لا تزال تُحاك في كل مكان، سواء من أنظمة عربية أو غير عربية، والتي لا ترغب في نجاح الثورة خوفاً من امتداد روحها إلى شعوب أخرى أو لمصالح اقتصادية وسياسية ضيقة. هذا الواقع يجعل من مقاومة القوى الخارجية والمحلية معاً ضرورة ملحة للحفاظ على المكتسبات الثورية.
ثالثاً، نظام الأسد والبعث، الذي حاصر البلد والعباد والحجر والشجر على مدى أكثر من خمسين عاماً، ترك سوريا مدمرة وشعبها مثقلاً بآثار عقود من الاستبداد. هذا الواقع المؤلم يوضح أن التغيير لا يمكن أن يتم بضغطة زر أو بعصا سحرية، بل هو مسار طويل يتطلب صبر الشعب وإصراره على بناء وطن جديد قائم على الحرية والكرامة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الثورة السورية انتصار للإنسان قبل أي شيء، لأنها أعادت للشعب وعيه وكرامته، وخلقت إرادة جماعية لا يمكن لأي قوة أن تطمسها. ومهما تعثرت المسارات السياسية أو تداخلت المصالح، فإن الإنجاز الحقيقي هو أن السوري لم يعد خاضعاً للصمت والخوف، وأن التاريخ سيذكر هذه الثورة بوصفها نقطة تحوّل لا رجعة فيها في وعي الأمة ومصيرها.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا
إقرأ أيضًا
فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات
أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات
“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية
التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
سوريا الجديدة: لحظة الانتصار ومسؤولية البناء
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...