سوريا بين الوصاية والاستباحة

د. تمام كيلاني رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا
سوريا بين الوصاية والاستباحة
د. تمام كيلاني*
في 19 آب/أغسطس 2010، غادرت آخر قوة قتالية أمريكية الأراضي العراقية. يومها جرى الحديث عن “عراق جديد” وعن “نهاية الاحتلال”، لكن الواقع سرعان ما كشف أن ما جرى لم يكن تحريرًا بقدر ما كان إعادة ترتيب للنفوذ. الأمريكيون خرجوا من الباب ليعودوا من النافذة، وتركوا فراغًا ملأته إيران عبر أذرعها المسلحة.
منذ ذلك اليوم، بات العراق رهينة النفوذ الإيراني. الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري تمددت حتى أصبحت جزءًا من القرار السياسي والأمني. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انتقلت هذه الميليشيات، إلى جانب حزب الله، لتقاتل السوريين تحت شعارات “حماية المراقد” و”المقاومة”. لكن الحقيقة كانت قمع الثورة، وارتكاب مجازر، وترديد شعارات جوفاء مثل “تحرير القدس يمر عبر حلب”!
الثورة السورية لم تواجه نظامًا مستبدًا فحسب، بل واجهت تحالفًا عابرًا للحدود: إيران وميليشياتها، حزب الله، قوى انفصالية بمشاريع تقسيم، وفصائل معارضة فقدت استقلال قرارها بالارتهان للخارج. وهكذا وجد الشعب السوري نفسه محاصرًا بين ديكتاتورية الداخل واستباحة الخارج.
ولم يكتفِ النظام وحلفاؤه بإغراق البلاد بالدمار والتهجير، بل أضافوا جريمة أخرى: تحويل سوريا إلى مرتع لتجارة المخدرات، وعلى رأسها الكابتاغون. حتى بات اسم سوريا يتصدر تقارير الأمم المتحدة بوصفها “الدولة الأولى المصدّرة للكابتاغون في العالم”. بلد الحضارة والتاريخ الذي أنجب العلماء والشعراء، حُرّف اسمه ليُقرن اليوم بالجريمة المنظمة والمخدرات. إنها وصمة عار خطط لها النظام وحلفاؤه لتأمين المال والسلاح على حساب سمعة الوطن ومستقبل أجياله.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على الانسحاب الأمريكي من العراق، تبدو الصورة واضحة: المنطقة لم تتحرر من الوصاية الأجنبية، بل تغيّر شكلها فقط. العراق وقع تحت النفوذ الإيراني، وسوريا تحولت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، ومرتعًا لميليشيات ومخدرات عابرة للحدود.
لكن وسط هذا المشهد القاتم، يبقى الأمل في وعي الشعب السوري. وعيه هو السدّ الأخير أمام مشاريع التقسيم، وأمام محاولات ربط سوريا بالكبتاغون بدلًا من الثقافة والحضارة. ومهمة الدولة السورية الجديدة لن تقتصر على إعادة بناء ما دمّرته الحرب، بل عليها أن تدرك أن الحذر ثم الحذر من محاولات تقسيم سوريا هو الشرط الأول لصيانة مستقبلها.
فقط عبر مشروع وطني جامع، حر ومستقل، يمكن استعادة صورة سوريا التي يستحقها أبناؤها: بلدًا موحدًا، حرًا، وسيّدًا على أرضه وقراره.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا/ فيينا.
كلمات البحث
إقرأ أيضًا
فن التصفيق المستدام: مهارات الحفاظ على راحة اليد دون التوقف عن التصفيق لساعات
الثورة السورية.. انتصار الإنسان لا مكاسب الأشخاص
أزمة الدولة الوطنية في سورية بين الأكثريات والأقليات
“لينفق ذو سعة من سعته”.. مشروع حياة لإعادة إعمار سورية
التعليم أولوية سورية الجديدة… لا نهضة بلا تحرير العقول
سوريا الجديدة: لحظة الانتصار ومسؤولية البناء
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...