الوضع الداكن

الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري

الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري
الرئيس احمد الشرع رئيس الجمهورية العربية السورية

 

الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري

د. تمام كيلاني*

 

 

تُعدّ دراسة الخطاب السياسي لقادة الدول من المدخلات الأساسية لفهم توجهاتهم الفكرية واستراتيجياتهم العملية. وانطلاقًا من هذا المنظور، تأتي هذه المقاربة التحليلية لتسليط الضوء على تجربة الرئيس السوري أحمد الشرع، ليس من خلال تفاعل شخصي مباشر معه – إذ لم التق به مطلقا – وإنما بالاستناد إلى متابعة خطبه الرسمية، ومقابلاته الإعلامية، ولقاءاته مع رؤساء وقادة إقليميين ودوليين. هذه المادة تهدف إلى مقاربة متأنية لنهج الشرع السياسي، بعيدًا عن الانحيازات المسبقة، وبالاعتماد على أدوات التحليل الأكاديمي.

أولًا: بين الفكر والسياسة

يُظهر خطاب الشرع السياسي ميلًا لدمج البعد الفكري في صياغة المواقف السياسية. فبدلًا من الاكتفاء بالمعالجات التقنية لمشكلات الدولة، يحرص على وضع رؤيته ضمن إطار فكري يتكئ على قراءة للتجارب التاريخية والسياسية السابقة. هذه السمة تُميّزه عن شريحة واسعة من القادة الذين يكتفون بالتعامل مع السياسة كإدارة يومية للسلطة.

إن هذا التداخل بين الفكر والسياسة عند الشرع يعبّر عن قناعة بأن بناء المشروع السياسي لا يمكن أن ينفصل عن البعد القيمي والهوياتي، وهو ما يمنحه خطابًا متمايزًا، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحديات أكبر في ميدان التطبيق العملي.

ثانيًا: تجاوز القوالب الحزبية

من أبرز النقاط التي تتكرر في خطاب الشرع رفضه الاصطفاف ضمن أطر حزبية أو أيديولوجية ضيقة. فهو يوضح أن الحركات الإسلامية – بمختلف مدارسها – خاضت تجارب متعددة، أصابت وأخطأت، وأن إعادة إنتاجها لن يضيف جديدًا إلى الواقع.
هذا الموقف يشير إلى رغبة في بناء مشروع سياسي يتجاوز الحزبية التقليدية، متكئًا على الهوية الإسلامية العامة والقيم الوطنية، من دون الارتهان إلى أسماء أو مسميات. ويمكن عدّ هذه المقاربة محاولة لإيجاد صيغة سياسية أكثر شمولًا، قادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي.

ثالثًا: الواقعية المشفوعة بالطموح

التحليل المتأني لخطاب الرئيس الشرع يكشف عن إدراكه لتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، وللضغوط المتشابكة التي تحيط بسوريا. ومع ذلك، فإنه لا يتبنى خطابًا انكفائيًا أو انهزاميًا، بل يسعى إلى تحقيق توازن بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي.
هذه الثنائية – الواقعية والطموح – تعكس محاولة لتجنب الفصام بين المبادئ والممارسة، وتكشف عن إدراك لأهمية الاستجابة لمتطلبات الداخل من جهة، والانسجام مع التحولات الدولية من جهة أخرى.

رابعًا: القيادة ومسؤولية النموذج

إن تولي الشرع لموقع الرئاسة يضعه في موضع القدوة والنموذج السياسي. وبذلك لم يعد اجتهاده مجرد موقف فردي، بل أصبح مسارًا قد يحتذيه آخرون من بعده. هذا يحمّله مسؤولية مضاعفة؛ إذ إن أي تعثر في تجربته ستكون له انعكاسات واسعة، كما أن أي نجاح سيُسهم في فتح آفاق جديدة أمام العمل السياسي السوري والإقليمي.

خامسًا: خصائص الخطاب السياسي

يتسم خطاب الرئيس الشرع بعدة خصائص يمكن إجمالها فيما يلي:
1. النزعة الحوارية: يظهر ميل واضح إلى النقاش والانفتاح بدلًا من الصدام المباشر.
2. البعد المقاصدي: يعتمد على استحضار المعاني الكلية والغايات العامة بدلًا من الغرق في الجزئيات.
3. التوازن بين الداخل والخارج: يحاول المزاوجة بين احتياجات الداخل السوري ومتطلبات البيئة الإقليمية والدولية.

في الختام :

إن تجربة الرئيس أحمد الشرع ما تزال في طور التشكل، ومن المبكر إصدار أحكام قاطعة بشأنها. إلا أن المعطيات المتوافرة من خطابه وممارساته السياسية تكشف عن محاولة واعية لصياغة مشروع مختلف، يتجاوز القوالب التقليدية، ويوازن بين المبادئ والواقعية.
إنه مسار يستحق الدراسة، ليس فقط لفهم مستقبل سوريا، بل أيضًا لاستشراف إمكانات إعادة صياغة العمل السياسي في المنطقة العربية على أسس جديدة، أكثر انفتاحًا ومرونة.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بالنمسا/ فيينا

الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري


كلمات البحث

إقرأ أيضًا


الاكثر شهرة

أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

تابعونا


جارٍ التحميل...